تلويح الحركة الشعبية بإعلان انفصال الجنوب السوداني من داخل البرلمان لم يحظ بردود الفعل الملائمة. ثمة قياديون في المؤتمر الحاكم تصدى للتلويح من منطلق دستوري باعتباره خرقاً لاتفاقات نيفاشا.
ربما رأى ساسة معارضون في التلويح حلقة في مسلسل المزايدات بين الشريكين المستمر عرضه منذ بداية المرحلة الانتقالية. هو كذلك في بعض جوانبه. ما من نص دستوري يستطيع تكبيل حركة تطلق على نفسها «حركة تحرير» ويتم التعامل معها من هذا المنظور. من نهج حركات التحرر كسر القيود في أشكالها المتباينة.
استقلال السودان قاطبة يشكل سابقة دستورية يحق للحركة الشعبية الإتكاء عليها. الإقدام على تدبير سياسي من هذا الطراز يستوجب شروطاً سياسية عدة وليس سابقة دستورية. الحركة الشعبية مطالبة بتأمين أرضية داخلية وغطاء خارجي لإعلان الانفصال من داخل البرلمان.
السابقة المرتبطة بإعلان الاستقلال من داخل البرلمان تنطوي على تضاعيف داخلية وتقاطعات خارجية جديرة بالتأمل. اتفاقية تقرير المصير السوداني والحكم الذاتي الموفقة بين الشريكين آنذاك لم تشر إلى ممارسة الاستفتاء.
ذلك بند استحدثه قادة وطنيون. عدد من الساسة خشوا من تقلبات النواب البرلمانيين على السيادة الوطنية. تحسباً لتأثير المال السياسي الخارجي على النواب بادر أولئك بنقل حق تقرير المصير من البرلمان إلى الشارع. إذا كان في قدرة أصحاب المال شراء نواب فليس في الإمكان شراء شعب. طرفا الحكم الثنائي قبلا التعديل. المفارقة تكمن في انقلاب القيادات الوطنية على انجازها.
السمو فوق الإغراءات المادية ممكن لكن القفز فوق التقاطعات السياسية الخارجية يبدو مستحيلاً. الطرف البريطاني أوعز لقيادات سودانية وطنية باختزال اللعبة وإعلان الاستقلال من داخل البرلمان. ذلك إيعاز كان يتناغم مع تطلعات زعمات وطنية امكنها احتواء القيادات المترددة. هدف ذلك لا يمكن عرقلته. لندن فعلت ذلك من منطق تسديد ضربة للثورة المصرية.
عبدالناصر أدار آنذاك ظهره للغرب واتجه شرقاً. الحركة الشعبية مطالبة بتحقيق توافق جنوبي على غرار ما فعل بناة الاستقلال. من المهم الحصول على دعم رعاة نيفاشا. من غير الممكن القول بمساندة القوى الإفريقية والمجتمع الدولي للقفز على نيفاشا.
هذه اتفاقية أريد أن تكون أنموذجاً قارياً. مفصل الأزمة السودانية ليس في وسيلة إعلان الانفصال أو استمرار الوحدة. القضية المفصلية تكمن في سوء فهم شريكي الحكم الثنائي الحالي لدورهما في المرحلة الانتقالية. المؤتمر والحركة اخفقا في تقديم أنموذج لشراكة وطنية تنجز مهام المرحلة بجناحيها التحول الديمقراطي وجعل الوحدة جاذبة. الطرفان اقبلا على الشراكة من منطلق اقتسام مغانم السلطة التنفيذية والثروة السايلة.
