جهاز المخابرات يشكل بؤرة للخطر في العديد من الأقطار. في الأنظمة الشمولية يجسد الجهاز عبئاً فادحاً على الشعب.
أحياناً ينوء النظام نفسه تحت وطأة العبء إذ يصبح الجهاز أحد مراكز الصراع داخل الدولة. طبيعة الأنظمة الشمولية تهييء بيئة خصبة للطموحات غير المشروعة. الدول غير الراسخة في ثقافة وتقاليد الأنظمة المركزية تعين أصحاب مثل هذه الطموحات على بناء دولة داخل الدولة. النظم الليبرالية تفسح متسعاً لرقابة تكبح ضباط المخابرات ومدراءها. في الأنظمة الشمولية يتذرع هؤلاء وأؤلئك بحماية النظام في الذهاب بممارساتهم إلى ما بعد الممكن والمحتمل.
حينما يزاح رأس جهاز للمخابرات في نظام على هذا النسق يأتي ذلك دائماً عقاباً، إما للإخفاق أو الإنحراف. الخيار الأول رهين بالفشل في قمع المعارضة ليس غير. مساحات الإنحراف تتراوح ممارساته من اللا أخلاقي إلى السياسي.
كذلك تتفاوت شخوص الإنحراف من رجل الشارع مروراً برجل الدولة إلى رأس النظام. بغض النظر عن المكانة البديلة أو المبررات الصادرة ومصدرها فالثابت لدى الرأي العام يبقى علامات استفهام في شأن أمانة حارس البوابة.
بغية تأمين سلامة النظام تمتلك أجهزة الاستخبارات في بعض الدول قوات وعتاد عسكريين يثيران غيرة أو قلق هيئة الأركان. في صراع مراكز القوى. يصبح الصدام بين جهاز المخابرات والجيش أمراً حتمياً. تضخم الآلة العسكرية للجهاز يزيد من ثقل المدير في الصراع الخفي بين رجال النظام. إذا كان للرجل براعة في اللعب على حبال التناقضات الداخلية فإنه يصبح وجهة للاستقطاب الحاد. عندما ينجح في فتح قنوات خارجية مع قوى اقليمية أو دولية يصبح هو محور الاستقطاب. اذا اهتز موقف رأس الدولة بفعل عوامل داخلية أو خارجية فالمدير لا يحتاج إلى عقلنة طموحاته.
حينما يبلغ موقف رأس الدولة المهتز منعطفاً حرجاً بفعل ضغوط داخلية أو خارجية أو الاثنتين معاً يتراجع إلى عمقه الاستراتيجي. البعض يلجأ إلى الحزب، والبعض إلى الشارع وآخر إلى الجيش. اللجوء إلى المؤسسة العسكرية في مثل هذه الحالات لا يكون لحماية الظهر فقط بل ربما استنفاراً للجنود والضباط من أجل خطوة مقبلة في الاتجاه المعاكس.
إزاحة مدير المخابرات تشكل حلقة في سيناريو طويل في الاتجاه المضاد. لا بأس من اغتنام مناسبة لجمع القادة العاملين والمتقاعدين. هذا تدبير يعزز الروح المعنوية. مع قصقصة أجنحة المدير الطموح ووضعه قيد العين يكون البديل مجرداً من الطموحات. تلك من الخلاصات المستفادة من الدروس المكتسبة في صراع مراكز القوى.
