وليد جنبلاط يبقى ملح السياسة اللبنانية وفاكهتها. هو في الوقت نفسه أنموذج السياسي العربي المتأرجح على الدوام. في الحالتين يتمتع الزعيم الدرزي بفضيلة تميزه عن غيره من السياسيين اللبنانيين والزعماء العرب.
تلك هي فضيلة ممارسة النقد الذاتي. كل الساسة العرب يستعصمون بالكمال في السلطة والمعارضة. حتى عندما ينقلب أحدهم على حلفائه أو نفسه فإنه يفعل ذلك بقناعة التمام في المنهج والرؤى. وحده وليد جنبلاط يملك الجرأة على اسناد تحولاته الفجائية إلى مراجعات نقدية.
بغض النظر عن موضوعية أسانيد جنبلاط النقدية ـ التبريرية ـ وصدقيتها فالثابت أن الرجل يمارس ضرباً من النقد الذاتي وهي فضيلة مهجورة في السياسة العربية.
حملة الهجوم الضاري على الزعيم الدرزي لم تتبصر ولو قليلاً مراجعة جنبلاط النقدية للرد عليها من منظور فكري. ما من أحد ـ حتى الآن ـ ناقش الرجل في ثوابته الفكرية والسياسية المضاعة. الانتقادات المكثفة المحمومة أغفلت تماماً اشتراكية جنبلاط وتقدميته وعروبته المهدرة بتواجده مع حلفائه.. الحملة استهدفت فقط توقيت تحوله المباغت ومغادرة تحالف 14 آذار.
ما من زعيم من التحالف أعاد النظر في فتوى جنبلاط. بتصنيف التحالف في فقه الضرورة. ما من انتقاد ركز على احتماء جنبلاط بطائفته وهو يفعل ذلك من منطلق رفض الاصطفاف الطائفي وإدانة الاستقطاب الحاد في بيروت. ما من ناقد حاول تعرية لجوء جنبلاط إلى الجبل وهو يبرر ذلك بالهروب من الانعزالية.
صحيح أن «الزعيم الاشتراكي التقدمي» أربك المشهد السياسي اللبناني المهيأ لميلاد حكومة عليها رهانات وطنية كبيرة. لكن الصحيح كذلك أن جنبلاط فعل ذلك في لحظة ارتباك ذاتي شديدة الالتباس. الرجل الذي غادر حلفاءه لم يكن يملك ـ حين فعل ذلك ـ خارطة طريق أو بوصلة إلى وجهة محددة. بمغادرة جنبلاط معسكر الحلفاء فإنه كشف صدره وظهره. هذا ضرب من ممارسة الانتحار على طريقة الهاراكيري اليابانية.
في لحظة انكشاف من هذا الطراز بين الحلفاء والخصوم يسهل اصطياد الرجل بإملاء الشروط القاسية. ربما كانت قراءة جنبلاط في المشهد السياسي العربية نافدة وقد يكون خياره راجحاً لكن منهجه صاعق للجميع بما فيه هو نفسه. جنبلاط حاول تصحيح الخطأ الفادح بالاعتصام في منطقة وسطى بين الأكثرية والأغلبية. فضيلة الزعيم الدرزي الوحيدة تبقى في جرأته على ممارسة النقد الذاتي علناً.
