ما الذي جعل أوباما يتبدل في المسافة الفاصلة بين كونه «ظاهرة خطابية» لافته وبين كونه سياسيا براجماتيا يحول أفكاره إلى مجموعة خطط قابلة للتطبيق على أرض الواقع؟ هناك على حد فهمي للأمور سببان:
ـ الأول.. هو أن الرجل أدرك بذكائه المعهود منذ البداية أن الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة وتريد أن تظل كذلك ليست بحاجة إلى مصلح اجتماعي، كما أنها ليست بحاجة إلى «شيشرون جديد» بقدر ما هي في حاجة ماسة إلى «أغسطس قيصر» عصري ناعم الوجه والأدوات، يناسب قرن السيطرة الإلكترونية وصراع البورصات، و«الجلوبال 500» والسيطرة عبر شركات الدواء والمؤسسات المانحة ومختبرات المعامل وبحوث الفضاء.
فاختار الرجل فريقا من الصقور يكون الحمائمي الوحيد فيه، من جوزيف بايدن الذي كان يزايد في تشدده على المحافظين الجدد، إلى هيلاري كلينتون صاحبة الهوى المتطرف والتي ترى أن أفضل دبلوماسية تأتي حينما يخشى العالم كله بطش أميركا، مرورا بروبرت غيتس وهو اختيار بوش لحسم المعارك عسكريا مرورا برام ايمانويل وسوزان رايس وكلهم من المعادين للقضايا العربية.
وكلمة العداء هنا لا تنطوي على أي مبالغة، فموقفهم المعلن تجاه السودان على سبيل المثال- هو قصف الخرطوم بالقنابل، أو وضع السودان كله تحت الوصاية الدولية. ومن ثم فإن خطاب أوباما المغاير لأسلافه، تبدد حين بدأت الأمور تخرج من حيز الخطب إلى الخطط والاستراتيجيات.
ـ الثاني.. أن الولايات المتحدة في ظل أوباما لم تزعم أنها القاضي النزيه والمحايد في الصراعات الدولية الذي يرد الحقوق لأصحابها، وإنما هي دولة عظمى تريد انجاز أي اتفاق في صراع طال أمده، وترى أن حسمه الآن يؤمن مصالحها في المنطقة، ومن ثم فإنها تسعى إلى ذلك في جدية لا يمكن نكرانها.
ولكي ينجز وسيط اتفاقا ما، فإنما يستطلع مواقف الطرفين، ويحاول التوصل إلى حلول وسط، وعليه فإن الضغوط التي يتوقع أن تمارسها واشنطن على طرفي الصراع، لابد أن تأتي - وفق بديهيات علم التفاوض السياسي - على حساب الطرفين بمكاسب وخسائر متساوية انطلاقا من النقاط التي بدأ بها كل طرف موقفه، وإلقاء نظرة على ما يطرحه طرفا الصراع على الموائد تجعل ما نادى به المبعوث الأميركي في جولته الأخيرة من أسبقية التطبيع على مجرد بدء التفاوض متوقعا.
فالرجل أمام طرفين أحدهما يتمسك بـ «حقه» في كامل الأرض التي احتلها بقوة السلاح، وحقه في فرض شروطه وترتيباته إذا «تنازل» وقبل الانسحاب من بعضها،وهو مع ذلك متمترس وراء قوته العسكرية وأساطيره التي اختلقها ثم ألبسها عباءة التاريخ..
كما انه ليس في عجلة من أمره لإنجاز تسوية إذ أنه ليس تحت تهديد من أي نوع، والطرف الآخر يقبل بأي فتات يعرض، فهو من حيث المبدأ متنازل عن 78 % من أرض فلسطين التاريخية، ومتنازل عن القرارات الدولية التي تسجل حقه في اقتسام فلسطين وفي عودة كل لاجئ أو نازح إلى بيته وأرضه ودفع تعويض له، ومتنازل عن حق تكفله كل الأعراف والشرائع في مقاومة الاحتلال باعتبار ذلك رجسا لا يليق بسياسي معتدل تبنيه، ومتلهف على أي حل يرضي «ضمير الوسيط» الأميركي.. وفوق كل ذلك فإنه منقسم على نفسه بطريقه تجعل من الصعب معرفة من يملك حق التوقيع على صك التنازل المطلوب.
