التحكيم الدولي لم يفكك لغم اتفاق السلام السوداني الأكثر قابلية للاشتعال. الأزمة الحقيقية في أبيي ليست في المنطقة بل في أطرافها. الأصل في القضية الدينكا والمسيرية. الموارد التقليدية تجسد محور النزاع القبلي. اكتشاف النفط زاد النزاع التهاباً. المؤتمر الوطني والحركة الشعبية تورطا في صراع محموم على البترول. عوضاً عن حل النزاع القبلي أضاف شريكا السلطة المركزية صراعاً حزبياً إلى القضية.
بغض النظر عن حساب البيدر بين الخصمين في لاهاي تصبح المسيرية الخاسر الأكبر. العرب الرحل خسروا الأرض فضاع الكلأ والماء. حقل هجليج النفطي لن يشبع أبقار المسيرية أو يروي عطشها. الرحلة الموسمية إلى الجنوب لا تزال محفوفة بالمخاطر. التحكيم زاد تعقيدات العلاقات القبلية عقداً.
هجليج نفسها لا تزال محور نزاع جنوبي شمالي. إخراجها من ابيي فتح جدلاً ساخناً إزاء انتمائها إلى الوحدة. ذلك أمر يتم حسمه عند ترسيم حدود بحر الغزال وجنوب كردفان. بئر النفط في نظر المسيرية الرعاة ليست غير بقرة حلوب في المرعى المفتوح في المنطقة يحلبها المؤتمر ويستمتع بحليبها في الخرطوم.
التحكيم لم يخمد نار الفتنة في المنطقة المأزومة بالنزاع القبلي والتكالب الحزبي. أبيي تظل قنبلة زمنية قابلة للانفجار في خياري الوحدة والانفصال في ظل النزاع والتكالب الحاليين. بلوغ تفكيك القنبلة يتأتى فقط عبر توافق وطني تتلاقى عنده الإرادات المؤمنة بفناء وطني واحد. مثل هذا التوافق يستوجب توفر حكمة مهيأة لبذل التنازلات الضيقة من أجل وطن شاسع. إذا لم يكن خيار الحياة المشتركة غالباً، فليكن بالحكمة نفسها انفصال رحيم يفضي إلى جوار كريم.
غياب الوعي بهذه الحكمة الجوهرية يشعل اللغم الموقوت في حالتي الوحدة والانفصال. تكالب الشريكين المحموم حرم قبائل المنطقة وحوافها من عائدات ثرواتها الجديدة. المؤتمر كما الحركة لم ينشر مظلة الخدمات العصرية على المسيرية والدينكا. الصراع الحزبي بين الشريكين أشعل حريقاً في بلدة ابيي السنة الماضية. التوافق الوطني وحده يمهد الطريق أمام تصفية كل جيوب الاحتقان المزمنة على خارطة الوطن.
التحكيم الدولي أفضى إلى مظالم مجحفة في حق قبيلة المسيرية والشعب والوطن الواحد. ابيي لاتزال مفخخة بألغام من شأنها اشعال الحرب في حالتي الوحدة والانفصال في غياب التوافق الوطني.
القضاة اعتمدوا التفسير القبلي في النظر إلى الخلاف بين المتخاصمين. المفارقة تكمن في إرساء خط مستقيم لرسم الحدود الشمالية لابيي. ذلك منهج يناقض مبدأ التفسير القبلي. من غير المنطقي رسم خط مستقيم على نسق خطوط العرض للفصل بين التداخل القبلي التقليدي. تأمين مسارات الرعي لا يتم بقرارات القضاء وحدها. الواقع على الأرض مغاير تماماً للنصوص على الورق. مع كل موسم للجفاف يلوح شبح الاقتتال بين الدينكا والمسيرية حتماً.
المؤهلون لحسم مصير ابيي في الاستفتاء المرتقب مثل وضعية هجليج يشكل محور صراع محموم في ضوء التحكيم مع التباين إزاء القراءة في أحكام القضاة يبقى الأقرب إلى الحقيقة ذهاب أبيي جنوباً. عند الانفصال يتعزز احتمال سد المسارات أمام رعاة الشمال وقطعانهم. هكذا أعاد التحكيم الأزمة برمتها إلى المربع الأول.
