السؤال حول العلاقات الروسية العربية محل جدل وتساؤلات كثيرة، وعلى الرغم من أنه لا يختلف اثنان على أن التحرك الروسي في المنطقة العربية هو في الغالب لصالح العرب وقضاياهم، إلا أن الغريب في الأمر أن معوقات تفعيل الدور الروسي تأتي من العرب أنفسهم وليس من خصومهم، والغريب أيضاً أن المعوقات تأتي من العرب «القدامى» الذين كان لهم علاقات قوية وتعامل مباشر مع الاتحاد السوفييتي السابق.
وهناك «العرب الجدد» وبالتحديد دول مجلس التعاون الخليجي، هذه الدول التي انفتحت في علاقاتها مع روسيا الاتحادية الجديدة بعيداً عن الأيديولوجيات والشعارات السياسية الرنانة وبعيداً عن التحالفات والمساومات والتنازلات، وسعت لفتح قنوات ومجالات تعامل مع روسيا الجديدة على أسس المصالح المتبادلة والمنفعة المشتركة واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي المبادئ التي تقيم عليها روسيا الحديثة علاقاتها الخارجية مع جميع دول العالم الآن.
هذا بينما مازال العرب «القدامى» الذين يزعمون الخبرة السياسية الطويلة يتعاملون مع روسيا حتى الآن بمفاهيم قديمة من رواسب الحرب الباردة وصراع القطبين متصورين أنها مازالت هي «الجمعية السوفييتية الخيرية» التي تعطي بلا مقابل وتساعد وقت السؤال والحاجة وتقبل الصدود والإهمال وحتى «الإهانة».
مثلما حدث عام 1971 عندما طردت مصر «السادات» الخبراء السوفييت ومع ذلك لم تتخل عنها موسكو في حرب أكتوبر عام 1973، ومثل الجزائر التي أعفتها موسكو من ديون تتعدى السبعة مليارات من الدولارات فذهبت تعيد لها في نهاية العام الماضي الطائرات التي اشترتها منها عام 2006 بحجة عدم صلاحيتها، وتلغي في الوقت ذاته اتفاق الغاز مع روسيا.
مما أكد أن إعادة الطائرات ليس لعدم صلاحيتها ولكن لأسباب أخرى سياسية، ولم تعترض روسيا، ونجد مسؤولين من سوريا التي أعفتها موسكو أيضاً في العام الماضي من ديون تزيد على 14 مليار دولار ودعمتها بالسلاح اللازم لها في ظل التهديدات التي تواجهها يصرحون بأنه لا ضرورة لعقد مؤتمر دولي لأزمة الشرق الأوسط في موسكو وأن أوراق الشرق الأوسط كلها في يد واشنطن، وها هي مصر تعيد القمح الروسي بحجة عدم صلاحيته، رغم تقارير الجهات المصرية المسؤولة التي أفادت بصلاحيته، والغريب أن ذلك جاء أثناء انعقاد منتدى دولي للحبوب في روسيا يروج فيه للقمح الروسي، ليملأ الخبر المنتدى ويسيء لسمعة روسيا.
على العكس تماماً من العرب نجد إسرائيل تولي اهتماماً بالغاً لروسيا في الفترة الماضية، وتسعى لتوطيد علاقاتها معها، وتتبادل معها السلاح، وتنتظر منها الغاز، ويقال ان وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي يكرهه العرب، هو المكلف حالياً ببناء علاقات شراكة استراتيجية مع روسيا، ويبدو أن ليبرمان متحمس بشدة لهذه المهمة ويراهن عليها لمستقبل إسرائيل وأمنه.
هذا بينما مازال العرب متمسكون بواشنطن والدور الأميركي الذي تراجع كثيراً وأصبح لا يراهن عليه أحد في العالم في ظل الأزمة المالية العالمية المتفاقمة، والتي يرى البعض أنها ستغير موازين القوى العالمية بشكل كبير.
