من حق العراقيين أن يحتفلوا بانسحاب الجيش الأميركي من المدن في يوم الـ 30 من شهر يونيو الماضي ويعتبروه يوماً وطنياً تماماً كما كان من حقهم أيضاً أن يحتفلوا بيوم الـ 9 من شهر أبريل من كل عام تاريخ سقوط النظام السابق. لقد مرت أكثر من ستة أعوام على بدء الحرب التي أطاحت بصدام حسين وأتت بحكومة قام الشعب بانتخابها عبر صناديق الاقتراع للمرة الأولى في تاريخ العراق الذي لم يعرف عبر صفحات كتابه سوى لغة الانقلابات والمؤامرات وقطع الرؤوس اليانعة.
شكلت الأعوام الماضية اختباراً لعله الأقسى في حياة العراقيين في طريقهم لتلمس مستقبلٍ مشرق بعدما أصبحت بلادهم مرتعاً لحفنة من المقامرين الذين أدمنوا زرع أصابع الديناميت في شوارع بلاد الرافدين من البصرة مروراً بالأعظمية وليس انتهاءً بالسليمانية.
وبرغم أن مؤشر القتلى يشير إلى آلاف الضحايا، ممن لقوا حتفهم في عمليات العنف الطائفي المستورد وسيارات العصف المأكول المفخخة والتي ازداد سعيرها مؤخراً، أوصل العراقيون وطنهم إلى بر الأمان في ظرفٍ تاريخي مرتبك بعدما تفوقوا في امتحان العملية السياسية بتنظيمهم لانتخاباتٍ تشريعية وبلدية في زمن المستحيل ونجحوا في التحدي الأمني بعودة مظاهر الحياة إلى طبيعتها تدريجياً.
ويبقى لمؤسسات الحكم العراقي أن تثبت جدارتها ونضجها في المستقبل المنظور في إدارة شؤون العباد بعد انسحاب القوات الأميركية من المدن في حين تمثل الانتخابات التشريعية مطلع العام المقبل التجربة العملية الأولى لتلك المؤسسات في إعلان قدرتها على الحكم في غياب الأميركيين.
كما يبقى لحكام العراق الجدد أن يعيدوا وطنهم إلى الساحة السياسية شرق الأوسطية بقوة بعدما غاب وغيب على مدى العقود الثلاثة الماضية وأضحى بعبعاً أسقط نفسه قبل أن يخيف جيرانه. عليهم أن ينزعوا شكوك جيرانهم في الجنوب ويمدوا يد التعاون إلى الغرب ويقيموا علاقاتٍ ندية من دون تدخلات مع الشمال والشرق.
ومن واجب جيران بغداد أن يساعدوها على التحليق كالعنقاء التي تنهض من تحت الرماد لتعلن بداية الحياة من جديد. وإن يخشى البعض أن تكون البلاد مقبلة على أيام شديدة البأس قد يتحول فيها العراق إلى أفغانستان أخرى تتناحر فيها الجزر الطائفية والعرقية في غياب سلطة مركزية قادرة على لجم الأمور بحزمٍ من غير قمع، فإنه من الحتمي والحال كذلك أن تتيقظ الحكومة العراقية أمنياً وسياسياً لكي لا تقع فريسة المعادلات الإقليمية الجديدة بدلاً من أن تصبح هي محورها الإيجابي والمستفيد الأول منها.
علمنا تاريخ العراق أنه إن عطست بغداد، أصيبت المنطقة بالزكام، ومع امتلاك أهل بلاد ما بين النهرين لتاريخٍ ملتبس مليء بالتناقضات والتدخلات الخارجية والمناسبات الجمة، التي لا يستدعي العديد منها الاحتفال، يأمل كثيرون أن تنتهي الاحتفالية بحلول نهاية العام المقبل حينما تنسحب القوات الأميركية نهائياً من البلاد لتسطر المنطقة تاريخاً من دون مناسبات سواءً منها البيضاء أم السوداء.
