الشرعية لا تشكل الثغرة الملائمة لانقضاض المعارضة السودانية ـ كما تود ـ على النظام. الثابت المفترض لدى قادة الأحزاب المخضرمين حدوث اعتداء على الدستور صبيحة الانقلاب. الاشتباك في معركة قانونية ينتهي بالمعارضة حتماً إلى خسارة فادحة. حينئذ لن يكابد المخضرمون الإخفاق فقط بل يعرضون القواعد لمزيد من الإحباط. بعيداً عن جدل الفقه الدستوري يبقى المشرق في المسألة هو بروز جبهة معارضة موحدة من تحت الرماد.
الحكومة الانتقالية ـ مثل شرعية النظام ـ قضية خاسرة. أي حكومة قومية لن تؤمن انجاز انتخابات نزيهة في ظل هيمنة المؤتمر على أذرع الدولة.
احتكام المعارضة إلى مرجعية خارجية خطيئة ثالثة. ذلك ضرب من الغزل على منوال النظام. تصدير القضايا الوطنية إلى الخارج لا يعكس حكمة يمكن الركون إليها أو الرهان عليها.
التحدي الجوهري أمام فسيفساء المعارضة يتجسد في قدرتها على مواصلة بناء جبهة موحدة. شيوخ الأحزاب مطالبون بإسدال الستار على بيات التشظي. على مدى التقدم في وحدة القيادة يتأتى اتساع القاعدة وثقلها. الجبهة العريضة تضيق الأفق أمام الطرف المقابل. ثقل الجبهة الموحدة يقلب الموازين السياسية الراهنة. الوحدة تشكل المدخل الملائم للمواجهة والسلاح الأكثر مضاء في المعارك والمرجعية الحاكمة الحاسمة.
التوغل في التشظي يغري بالتمادي في تجاهل الأحزاب. إعادة تصحيح الاختلال في المعادلة يتصدر أولويات المرحلة. شيوخ المعارضة مطالبون بالانتقال من استجداء الحقوق إلى انتزاعها أو فرضها. تلك غاية يتم بلوغها عبر طريق الوحدة وصولاً إلى برنامج عمل وطني مجمع عليه.
برنامج عمل يكسر نمط البيانات الإنشائية المعممة. برنامج عمل يخرج عن كر القضايا العالقة إلى حلول ممرحلة. برنامج عمل لا يغرق في الماضي والراهن إنما يخاطب الغد. برنامج من هذا الطراز لن يخفق في إعادة بناء الجسور مع الحركة الشعبية. تلك حركة تعايش أزمة مزمنة إذ تعاني مع الشريك وتفقد الثقة في المعارضة المتشققة. التجربة أثبتت عبقرية قرنق القاطرة. ذلك رجل يتمتع بإمساك على مفاتيح اللعبة في السلطة والمعارضة.
الجبهة الموحدة تقرب الأحزاب من الأهداف. صناعة المستقبل تبدأ اليوم. الإجماع المبكر على مرشح للرئاسة يشكل مفتاحاً سحرياً لولوج مرحلة ترتبك فيها الثوابت التقليدية. في ظل الارتباك المرتقب أمام قادة المعارضة مهمة استنفار القواعد النائمة بفعل الإحباط الناجم عن التشظي.
الاستناد على الماضي لا يصنع مستقبلاً. من شأن الجبهة الموحدة النجاح في إعادة صياغة العديد من الشروط المملاة على المعارضة في ظل التشظي. الانتخابات هي معركة المصير أمام الأحزاب. الإعداد لحسم المعركة واجب الساعة. الوحدة السلاح المتاح للنهوض في وجه المنافس المدجج بالسلطة والثروة. الوحدة هي سبيل الخروج من تحت مظلة الشجب والاستنكار إلى دائرة الفعل.
السؤال الملح أمام شيوخ المعارضة يتمحور في ماذا بعد الصرخة الجماعية باسم التشكيك في الشرعية؟ الإجابات الشافية عن السؤال لا تكمن في الرجوع إلى الاستغراق في الانشقاقات واجترار الانقسامات واستئناف النقد في الصالونات. بلوغ الانتصار في المعارك يكون عبر العمل الدءوب النشط. المعارضة مطالبة بالتخلي عن ممارسة السياسة في المواسم. تلك أزمة المعارضة السودانية الحقيقية.
