ذهب الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين عن الحكم والدنيا وبقيت آثار سياساته في الكويت كشاهدٍ حي على مدى الأذى الذي يمكن للتهور في العلاقات الدولية أن يلحقه بين الجيران فماذا لو كانوا أشقاء؟ تكمن ترسبات القضية أساساً في انضواء العراق تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يلزمه بدفع 5% من عائدات النفط كتعويضات عن غزوه للكويت إبان حكم صدام وتبويبها في خمس حقول للمطالبات تخص الأفراد والحكومات والشركات المتضررة.
الكويت بدورها تطالب المنظمة الدولية بإبقاء بغداد تحت هذا البند لأن إجمالي المطالبات المستحَقة لها وغير المدفوعة حتى الآن عن الخسائر التي لحقت بها جراء الاحتلال تبلغ أكثر من 25 مليار دولار أميركي، فضلاً عن ديون مستحقة للكويت تبلغ حوالي 16 ملياراً. وكانت بغداد طالبت في وقتٍ سابق بتخفيض النسبة من 5 إلى 1% فقط أو تخفيضها بنسبة لا تقل عن 80% وفقًا لمقررات «نادي باريس».
أما مجموع ما دفع للكويت فيقدر بنحو 13 مليار دولار لم تنجح في نزع فتيل الأزمة التي أربكت علاقات الجارين خاصةً في الآونة الأخيرة، زادتها سعيراً تصريحات بعض النواب العراقيين بمطالبة الكويت بتعويضات جراء الحرب العام 2003 دفعت زملاء كويتيين لهم إلى المطالبة بسحب السفير الكويتي في بغداد.
وإن كان البلدان طويا بلا شك صفحة الماضي المرير بخطوات بناء الثقة المتبادلة من قبل القيادتين والتواصل المباشر عبر الصعيدين الرسمي والشعبي، فإن المطلوب هو معالجة الأمور بهدوء والابتعاد عن التراشق الإعلامي اللامحسوب وتفعيل اللجان المشتركة لتطويق الخلافات والتشجيع على إقامة مشروعاتٍ واستثماراتٍ متبادلة لأن تلك الإشكالات، بالإضافة إلى خطورتها على مستقبل العلاقات البينية، يمكن أن تنعكس سلباً على استقرار المنطقة ككل.
وهنا يبرز دور جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية في المسألة وضرورة تدخلهما لحل القضيتين العالقتين إلى جانب ملف التعويضات وهما ترسيم الحدود ورفات المفقودين الكويتيين.
في كل الأحوال، يجب التسليم بحق الكويت في التعويضات المقررة وأن سقوط نظام صدام حسين لا يلغي المسؤولية القانونية للحكومة العراقية الحالية بدفعها، كما يجب التسليم أيضاً بأن بغداد اليوم ليست بغداد الأمس وهي ليست نفسها من حشدت جيشها لتغزو جارتها الشقيقة، ما يعني إبداء قدر من الحل الوسط في موضوعي التعويضات والديون سواءً من جهة قيمتها أو في طريقة سدادها.
ومن المؤسف حقاً في خضم هذا الحديث، النظر إلى المآسي التي لحقت بالكويت من جراء الغزو من النواحي السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية والإنسانية، وهي نفسها الكوارث التي لحقت بالعراقيين الذين تكبدوا خسائر مالية باهظة بمئات المليارات من الدولارات وبشرية لا تقدر بثمن بسبب حربي إيران والكويت وما تلاهما من عقوباتٍ دولية هبطت عليهم جراء سياسة «تصدير الأزمات» للنظام السابق.
