رغم الانتقادات الكبيرة والمواجهات العنيفة التي أعقبت الانتخابات الإيرانية، فإن ما جرى هناك بمثابة وسام على صدر النظام إذا ما قارنه أي منصف بحالات الديمقراطية العربية. وهناك عدة ملاحظات حول المعركة الانتخابية بنتائجها المرة في نظر البعض:
- الأولى ان أحداً لم يتذرع بالتحديات التي تواجه البلاد، وعلى رأسها الاستهداف الإسرائيلي والغربي، الرامي إلى منع طهران من امتلاك ما يعزز أمنها القومي من أسلحة وتكنولوجيا نووية تقول حتى هذه اللحظة انها سلمية، ولم يطالب أحد بإلغاء الانتخابات وإجراء استفتاء شكلي تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» وهو الذي استخدم في عالمنا العربي كثيراً.
الثانية: ان تأليه الأشخاص أو اعتبارهم فوق النقد والمساءلة لم يكن موجوداً.. مع ان الأمر الثاني في صلب مبدأ ولاية الفقيه.. فالمرشد نزل خلال المعركة من عليائه.. تعرض للنقد حيناً وعصيت أوامره حيناً آخر، بل وصل الأمر إلى حد التفكير في عزله، وارتفعت أصوات تطالب بتجريب هذه الصلاحية التي يملكها مجلس تشخيص مصلحة النظام
الثالثة: ان النظام حاول إجهاض التظاهرات بوسائل عنيفة، ولكن ليس عبر إطلاق الرصاص على الرؤوس ولا عبر اعتقال الآلاف من منازلهم أخذاً بالأحوط كما يحدث في البلدان العربية، ولو تكرر السيناريو في بلد عربي لتم فرض حظر التجوال، ولذهب قادة التيار الإصلاحي دون استثناء إلى غياهب السجون أو تم تدبير اغتيالات لهم ثم إلصاقها بجهات معادية.. لكن مير حسين موسوي ومهدي كروبي لا يزالان يعيشان في بيتهما ويتحركان بحرية رغم اتهامهما إعلامياً بالتحريض على الاحتجاجات غير ان التهم ظلت في إطار الجدل السياسي.
الرابعة: ان مؤسسات الدولة أخذت على محمل الجد تشكيك المرشحين الخاسرين، فقامت بإعادة فرز عشر الأصوات، وكان يمكن ان تعيد فرز كامل الأصوات لو وضعت يدها على تزوير حقيقي يغير النتائج المعلنة.
الخامسة: ان أحداً لم يستغل الاحتجاجات الحاشدة في عمليات سلب ونهب وتحطيم ممتلكات عامة، كما لم تقم الجهات الأمنية بدس البلطجية والمخربين وسط المتظاهرين لوصمها بالعنف وتبرير مواجهتها بالرصاص الحي، أو دكها بالطائرات والمدفعية كما حدث في بعض الاحتجاجات الجماهيرية، كما لم تتسبب في حرب أهلية تدوم سنوات.
كثير من الكتاب العرب يرون القذي في عيون الآخرين ولا يرون الخشبة في أعينهم.. ذلك انهم تربية السلطات التي علمتهم بنهجها انتقاد الغير دون النظر ولو لمرة واحدة في المرآة.. وسيقول كثيرون ان إيران خسرت وأن النظام تضعضع، لكنني اعتبر ان طهران خرجت أقوى، وأن ما جرى - رغم مأساويته في بعض اللحظات- يمثل تجربة فذة تتطلب من الآخرين محاولة محاكاتها وليس رجمها.
في إحدى الجلسات التي جمعت رئيس دولة عربية برئيس وزرائه ووزير داخليته لبحث إجراء استفتاء، تشجع رئيس الوزراء وقال: ليس مهماً ان تخرج نتيجة الاستفتاء 99% كما يحدث كل مرة، لقد أصبحنا مثاراً للسخرية.. لماذا لا تكون النتيجة مثلاً 80 أو 70%، نظر وزير الداخلية في عيني الرئيس فوجده يهز رأسه بالموافقة، فلم يكن منه إلا أن قال ـ وبراءة الأطفال في عينيه - هل تريدني أن أزور يا سيادة الرئيس؟
وطبعاً ليس هناك رئيس عربي يرضى بالتزوير، فذلك بمثابة احتساء كأس سم بالنسبة له.
