التهاب المشهد في طهران يمثل طلقاً حتمياً لمراكمات وتناقضات داخل النظام الإيراني. بغض النظر عن هوية الفائز الحقيقي في انتخابات الرئاسة فالنتيجة الأكثر وضوحاً تبقى اهتزاز النظام من الداخل واهتزاز ثقة الشعب في صدقية الأركان. تظاهرات الاحتجاج لا تستهدف فقط تثبيت نجاد بل تذهب إلى رمي السلطات بالافتقار إلى الشفافية. الرافضون باغتوا أركان النظام مرتين.الأولى بالذهاب المكثف إلى صناديق الاقتراع والثانية بالخروج في تظاهرات الاحتجاج.
القادمون من الخلف أجبروا الجالسين في الواجهة على الانحناء. إعادة فرز الأصوات ولو جزئياً تشكل محاولة لتبريد الشارع الملتهب. تلك عملية لن تغير نتيجة الانتخابات المعلنة كما لن تبدل طبيعة النظام أو طبعه.
التهاب الشارع الإيراني نتيجة حتمية لاحتقان سياسي مزمن في طهران. الوجهان الشاب والناعم الطاغيان على جموع المتظاهرين يعكسان رغبة أجيال جديدة في التغيير. حتى في حال فوز موسوي يظل الالتهاب ماثلاً لا محالة. مصير رئاسة موسوي لن تكون بأفضل مما انتهت إليه سنوات خاتمي من1997 إلى 2005. الرئيس الإيراني ملزم وفق الماكينة بالانصياع للمرشد.
موسوي مثل خاتمي رمز لرغبة التيار الإصلاحي في التغيير وليس صانعاً أو قائداً. ثمة تململ يحتدم من أجل أحداث إصلاح سياسي يشمل الحريات واقتصادي يتضمن كبح التضخم والبطالة والفساد.
موسوي كما هو خاتمي ليس غورباتشوف إيران، كلاهما يفتقد مانفستو «البريسترويكا» و«الغلاسنوست».
موسوي مثل خاتمي يأتي إلى الواجهة برفع القادمين من الخلف في سياق الاحتدام المكرس عقوداً ثلاثة داخل ولاية الفقيه. التهاب الشارع الإيراني يصبح ظاهرة شبه يومية حال فوز موسوي بالرئاسة. أعمدة النظام القابضون على مفاتيح صنع القرار لن يسمحوا بتمرير أجندة الإصلاحيين. تلك هي خلاصة تجربة خاتمي.
بالإضافة إلى التناقض بين جناحي النظام، فالعلاقة بين خامنئي وموسوي موسومة بالعداء والمرارة. الصدام بين الرجلين يعود إلى ثمانينات القرن الفائت.
ربما الأفضل للإصلاحيين من تسلم السلطة في هذه المرحلة الابقاء على جذورها المطالبة بالتغيير متقدة. من شأن المداومة على المناورة حفر مجرى في بنية النظام، مثل هذا الحفر لن يتأتى إلا بالعمل السياسي الجماهيري الدؤوب.
إجبار أركان النظام على مراجعة نتائج الانتخابات ـ في أي شكل تأتي ـ يمثل انتصاراً جوهرياً لصالح تيار الإصلاحيين.
كعب أخيل هؤلاء أنهم يجعلون من الضغط على التيار الآخر مناسبة موسمية. دم الإصلاحيين يتطلب تحويله زيتاً في مصباح التغيير. رغبة الشباب والنساء في خلق هامش أوسع للحريات ومستوى أرقى في الخدمات وعلاقات أكثر انسجاماً مع الخارج لم تعد محاور للجدل.
مواصلة المناورة الشعبية من أجل التغيير واجب الساعة الإيرانية. الانشقاق داخل النخبة الحاكمة بات واضحاً. رفسنجاني ونجاد تبادلا الاتهامات علناً. رئيس مجلس صيانة الدستور حذر المرشد من تسليط العسكر على الجماهير. خامنئي لم يكن خيار العلماء الأوفر حظاً لوراثة الخميني. عند توليه منصب المرشد قيل ذلك خيار ضعيف في المنصب القوي، من أفضل ميزات الرجل الموازنة بين المعسكرات.
التصعيد الإصلاحي يستميل عدداً من اللاعبين الأساسيين في طهران حتماً
