تلعب حساسية عدد من العواصم العربية تجاه ما ينشر في صحف عاصمة عربية أخرى دوراً كبيراً في تقزيم وسائل الإعلام المطبوعة، حيث تسود رؤية عمرها نصف قرن مفادها أن نشر تقرير ما في صحيفة تطبع بإحدى الدول يحمل موقفاَ رسمياً للدولة ذاتها، رغم أن الأمر بعيد عن التخيل، وتعود لأيام الإعلام الموجه حينما كان كل شيء تحت المراقبة.

الغريب أن العواصم نفسها التي تحتج سفاراتها على مقال في صحيفة أو إبراز خبر يخص معارضين للنظام، لا تفعل الأمر نفسه تجاه الصحف التي تصدر في بلادها وتحت أعين سلطاتها الأمنية، كما أنها لا تجرؤ على مفاتحة حكومة غربية فيما تنشره صحف تصدر في عواصمها، وإن حدث يكون أمراً مثيراً للسخرية وللشفقة في آن، فالإعلام الغربي يملك حريته في نشر وحجب ما يريد، لأنه خرج من دوائر السيطرة الحكومية منذ زمن حتى وإن كان تركها إلى سيطرة جماعات المصالح.

نعم.. لعبت كثير من وسائل الإعلام في السابق دوراً مخزياً في الخلافات البينية، وتحولت إلى بوق دعائي يتفنن في كيل التهم ونشر التقارير الحقيقية وأحياناً «المفبركة» بغية الاغتيال المعنوي للخصوم، ولاتزال مدونات ومواقع الكترونية تمارس الأمر نفسه بغرض الابتزاز، لكن يفترض أن الأمر كان يعبر عن مراهقة سياسية لم يعد لها مكان في عالمنا المعاصر.

ولما كان نشر بعض الأشياء يثير حساسية فعلية فقد تم التوسع فيه بشكل مرض إما سعياً وراء راحة البال، أو استجابة لنصائح راغبين في تسلق المواقع يقدمون أنفسهم على أنهم الأكثر فهماً والأكثر اعتدالاً، والأجدر بالمواقع، وهم عادة أناس كفاءتهم المهنية محدودة، ويحاولون الهرب من هذا الضعف المهني إلى نوع من «التذاكي» السياسي المفضوح.

غياب الشفافية هو الآخر صداع دائم في رأس المسؤولين عن تحرير الصحف، فنادراً ما تجد متحدثاً حكومياً عربياً مخولاً بالإجابة عن كل القضايا المطروحة أو المثارة، وقد تستهلك وسائل الإعلام الأجنبية أطناناً من الورق بشأن قضية تخص عاصمة عربية، ولا تجد لها أثراً لا نفياً ولا تأكيداً في أي صحيفة عربية، نتيجة قصور رؤية في العاصمة نفسها، وحساسيتها تجاه نشر الأمر نفسه في مطبوعة عربية حتى وإن كان على سبيل صد الهجوم.

الشفافية ليست غائبة على المستوى السياسي والأمني فحسب، وإنما حتى اقتصادياً، رغم أن موجة التخصيص اجتاحت عواصم، وتحمست لها أخرى، إلا أن عقلية من يديرون هذه المؤسسات ومن يديرون الشأن الاقتصادي كله ظلت عقلية شمولية، لا تستريح لإعلان الحقيقة، سواء كانت رقماً أو واقعة، أو مخططاً للشركة.

هذه المؤسسات سياسية أو اقتصادية هي الأخرى معذورة فقد تعودت أن ترسل بياناتها المملوءة بدعاية فجة أو المحشوة بعبارات إنشائية سمجة، وتجد ما ترسله منشوراً برمته وعلى النحو الذي جادت به قريحة كاتبه العبقرية.

وبما أن أي تغيير يحتاج إلى جرأة، فإن الصحف العربية بحاجة إلى من يخلصها من ميراث ثقيل، ويلقي بالموضوعات الإنشائية في سلال المهملات ويعطي للمعلومة وللخبر حقه، وحينئذ ستجد مئات الصفحات المدبجة ستختصر وعشرات الصور يتم الاستعاضة عنها بواحدة، وإن لم نفعل يوماً نكون كمن يمارس خداع نفسه، فلا أحد يقرأ مطولات، وإن قرأ أحد فليست لديه رفاهية ترك نفسه يغرق في مستنقع من فن الإنشاء الفارغ من المعنى.