وفاة جعفر النميري لن تقبر الجدل المثار في شأن عهده. حقبة الرئيس الراحل فتحت شلال الدم السياسي في السودان. إبان رئاسته خسر الشعب كوكبة من المفكرين المتميزين وعشرات الرجال المعروفين بشجاعة الرأي والموقف. نظام النميري استبدل التسامح الغالب في طبع السودانيين فأحل محله الثأر والقصاص العجول. في زمنه ضاق السودان بأهله، فتبعثروا في المنافي قسراً واختياراً.
في سيرة النميري العسكرية باقة من سجايا الضابط المحبوب. المغامرة المشربة بالوطنية أقحمته لجة السياسة. محنة الرجل أنه أصبح رئيساً بلا بوصلة. في غياب الثبات على رؤية أو منهج غرق النميري في براغماتية بلا قرار. 16 سنة ضجت بالتناقضات حد الانفجار الحتمي. النظام اعتمر كل القبعات السياسية من أقصى اليسار إلى اليمين المتزمت. في التأرجح من الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين، لم يترك نميري فصيلاً سودانياً إلا حاربه وحالفه. مع أن إخماد حرب الجنوب يشكل أبرز إنجازاته، غير أن الرئيس انقلب على الانجاز نفسه.
جهاز الأمن تضخم على نحو لم يألفه السودانيون، فترهل حد العجز عن الحفاظ على النظام، وهي أولويته المطلقة. رغم افتتاح مشروعات عدة للتنمية، فإن الشعب عرف على أيام النميري الأزمات اليومية والضائقة الحياتية. استشراء الفساد فتح خزانة الدولة أمام النهب. الخدمة المدنية لم تفقد فقط الطهارة بل أصبحت عرضة للانهيار في مرحلة ما من عمر النظام بدأ الانحدار السوداني دون توقف.
رغم ظهور النميري في صورة زاهية على الصعيد العربي، إلا أن الرجل شوه الإطار بنفسه عندما أصبح بطلا لتهجير الفلاشا. جعفر النميري لا يتحمّل منفرداً كل أوزار عهده. ربما تكون جريرته بالإضافة إلى فقدان البوصلة سوء اختيار البطانة، ثمة مواقف وأحداث تدين المحاكمة العادلة رموزاً في عهده. النميري اقتحم حلبة السياسة بروح عسكري وطني.
إرهاصات استيلائه على السلطة سبقته إلى مجالس الساسة المحترفين. مأزق الضابط استحكم بمحاكاة النموذج العربي السائد آنذاك. المحاكاة الساذجة أفضت إلى اختزال الوطنية في الموالاة للنظام وتجسيد النظام في الرئيس. ذلك طريق انتهى إلى السلطة المطلقة في يد الرجل. منصور خالد يروي ـ في أحد كتبه ـ على لسان جعفر بخيت قوله «ذلك صنم صنعناه بأيدينا ولن يزيله سوى رب العباد».
بعدما غادر خالد الخرطوم في قطيعة نهائية مع «مايو» قال لي في حوار بأبوظبي مبرراً الخروج «الاخوان يتسلقون النظام من الداخل». تلك رؤية ناقدة آنذاك ـ 1984 ـ غير أنها لم تذهب على طريق تشريح التأرجح في طبيعة النظام. في مشواره من أقصى اليسار إلى أكثر أشكال اليمين تطرفاً، لم يحرق النميري شعارات رفعها بل حرق أصابع وصور وجثث رجال، منصور خالد لم يتطرق يومئذ إلى رجال تسلقوا النظام من الداخل، بينما كانت جدرانه ملطخة بدماء رجال من اليمين إلى اليسار.
تصنيم الرئيس أفقده توازنه النفسي والذهني فمسه ضرب من الهذيان الشخصي والرسمي. نهاية النميري الحقيقية لم تكن يوم وفاته. الإطاحة بنظامه وهو خارج الوطن وضع خاتمته الفعلية. في لقاء بمقر إقامته في القاهرة ـ مايو 1998 ـ صور النميري مشهد هبوطه الحزين في العاصمة المصرية. هو الهبوط القسري في العودة من رحلة استشفاء بأميركا في أبريل 1985.
نميري حكى مرارة بالغة عن حزن فادح إزاء عجز ذليل حال دون بلوغه الخرطوم. الرجل تحدث عاتباً وناقداً وناقماً حتى بدا لي لو أمكنه ركوب بغلة من القاهرة إلى الخرطوم لفعل. تحت ذلك العجز استسلم النميري لنوم عميق ساعات، بينما نظامه على مرجل يغلي. يومها دخل الرجل في سبات أبدي.
