في الثاني من أبريل الماضي انعقدت في لندن قمة مجموعة العشرين لمناقشة سبل مواجهة الأزمة المالية العالمية، وبدا الحماس واضحا لدى قادة الدول الكبرى لاتخاذ قرارات جادة وحاسمة وعملية وواقعية أيضاً، وصدر البيان الختامي للقمة الذي تضمن قرارا مهما وعملياً بدعم المؤسسات المالية العالمية ومنها صندوق النقد الدولي بمبلغ يقدر بأكثر من تريليون دولار لدعم اقتصادات الدول النامية والفقيرة ولإقراض الدول التي تعاني من الأزمة، وأيضا لدعم سوق العمل في مواجهة موجة البطالة المتنامية التي تجتاح العالم، كما جاء في البيان أن القمة اتخذت وستواصل اتخاذ الإجراءات لإعداد مخطط مضمون للرقابة والتنظيم المالي.
القرارات في حد ذاتها جيدة وغير مسبوقة، فلم يحدث من قبل أن اتفقت الدول الكبرى على العمل المشترك في مواجهة أزمة عالمية، ولكن على ما يبدو حتى الآن على أرض الواقع أن قرارات القمة لم تتجاوز حدود القول إلى الفعل، ولم تتخذ بشأنها حتى الآن أية إجراءات عملية، ولم تشكل أية لجان أو هيئات لتنفيذ هذه القرارات، خاصة وان مجموعة العشرين في حد ذاتها مؤسسة حديثة الوجود ولا تملك داخلها أية مؤسسات لمتابعة تنفيذ القرارات.
هذا في الوقت الذي تتفاقم فيه تداعيات الأزمة المالية العالمية، ويتواصل مسلسل انهيار المؤسسات الصناعية والمالية في الدول الكبيرة، وتزداد نسبة الخسائر والبطالة بسبب الأزمة يوما بعد يوم، والحال الآن أسوأ بكثير مما كان عليه يوم انعقاد القمة في الثاني من أبريل الماضي، فخلال هذه الأيام الماضية زادت البطالة في الدول الكبيرة بنسب تتراوح بين 2% و5%.
كما انهارت قطاعات صناعية وإنتاجية كبيرة في هذه الدول مثل قطاع السيارات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وبدا واضحا أن طوفان الأزمة لا يحتمل انتظار تطبيق قرارات القمة ولا أية قمة أخرى، كما شكك البعض في نوايا الدول الكبيرة حول تنفيذ قرارات القمة، وربما ينعكس هذا في الصمت والتجاهل العام لقرارات هذه القمة حتى الآن، وكأنها لم تكن، ولم يعلن عن الخلافات التي كانت دائرة بين هذه الدول في المناقشات، حيث طالبت فرنسا وألمانيا بفرض رقابة شديدة على المؤسسات المالية ورفضت بريطانيا والولايات المتحدة هذا الأمر بشكل قاطع، الأمر الذي يعني أن المؤسسات المالية الدولية لن تحصل على المبالغ المقررة في القمة.
أما روسيا فقد كانت أكثر واقعية وصراحة عندما اعتذرت عن المشاركة في تنفيذ هذه القرارات بحجة أنها مسؤولة عن دعم جيرانها فقط وأنها خصصت صندوق برأسمال عشرة مليارات من الدولارات لهذا الغرض، ورغم تأييد روسيا لقرارات القمة إلا أنها تحفظت على إعطاء هذه الأموال لصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية القائمة إلا بعد إجراء إصلاحات جذرية في هذه المؤسسات.
وهذا الأمر يعكس بوضوح عدم فاعلية قرارات القمة وأنها كانت مجرد إجراء تجميلي لشكل الدول الكبيرة التي هي في الأساس المسؤولة عن الأزمة، أما الدول النامية والفقيرة فهي الضحية التي تغرق الآن في براثن الأزمة ولا تجد من يمد لها يد الإنقاذ، وكيف يمكن للدول الكبيرة أن تساعدها وتنقذها إذا كانت هي نفسها تواجه نفس الخطر. الأزمة تتفاقم يوما بعد يوم، ولا يتوقع أن يجدي معها أي عمل جماعي دولي في المستقبل القريب.
