مع أن عصر الصحافة المكتوبة قد أدبر وما هي إلا سنوات قلائل وتدخل متحف التاريخ، إلا أن قطاعاً كبيراً من الصحف العربية لايزال يتعلم تهجي الحروف الأولى من المهنة لأسباب تبدو في معظمها مجهولة، وتستبدل محاولة الترقي ولعب دورها المنشود في المجتمع بالاختباء خلف الشكل والإغراق فيه دون ان يكون المضمون من بين قائمة شواغلها.

صحيح أن ظروفاً اجتماعية وأعرافاً قديمة تكبل المهنة وتحول دون انطلاقها، لكن ذلك ليس مبرراً بأي حال للحالة الرثة التي تبدو عليها معظم صحفنا العربية المطبوعة، وصحيح ان تجارب أولئك الذين حاولوا الخروج والتمرد وصناعة صحافة جديدة تملك روح وطموح التغيير محبطة، لكن كل ذلك لا يغفر لجموع المهنيين الحقيقيين ـ وليس أولئك الذين اعتلوا صهوة صاحبة الجلالة مصادفة ـ الاستسلام للواقع الرث الذي تعيشه مطبوعاتهم، ومحاكاة ما يجري في اجتماع القمم العربية حين ينتقد الجميع حال التردي وكأنه ليس جزءاً منه، أو فاعلاً أساسياً في تكريسه.

باستثناء دول عربية قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، فإن صحف العالم العربي ليست إلا منشورات دعائية فجة لا تقنع الجمهور العام في البلد التي تصدر فيه مثلما لا تقنع النخب الحاكمة، التي تتطلع أن ترى نفسها في مطبوعات ذات تأثير داخلي وخارجي ضخم.

النقد هو الوظيفة الأولى للصحف وهي وظيفة غائبة بلا مبررات حيناً ومكروهة كراهية التحريم أحياناً أخرى، ورغم أن عدداً من الحكام تتسع صدورهم للانتقاد أو التعليق على أقوال أو أفعال كان طرفاً فيها إذ يرى أن نقد نده في بلاد أخرى لم ينل من هيبته بل كرسها، لكن الرعب من أن يغضب ذلك كبار المسؤولين أو يفتح باب مزايدة للمزايدين يجعل جميع الصحف تحجم عن كل ما يمكن أن يدخل هذا النطاق وبهذا وحده تفقد نصف وظيفتها وتتخلى عن نصف ما كان يمكن أن يقرأ بعناية فيها، وتغير طبيعة الصحافة فبدلاً من كونها مهنة للبحث عن المتاعب تتحول إلى مجرد وظيفة لا تختلف كثيراً عن وظيفة نادل في مقهى أو شماشرجي في قصر.

وفضلاً عن غياب النقد فإن الالتزام بنشر كل الأخبار وكل الصور التي تبثها وكالات الأنباء الوطنية الرسمية دون زيادة أو نقص وأحياناً دون تصحيح يحول دون تمييز صحيفة عن أخرى، ويبطل الدافع إلى تعدد الصحف، فالخبر في الدول التي تتمتع بصحافة قوية ومؤثرة يفقد قيمته حين تبثه وكالة أنباء إذ يصبح في يد الجميع، لذلك تجد صراعاً للحصول على انفراد أو تسابقاً لحيازة معلومة إضافية، لكن في دول الصحف - النشرات يكون الخبر في يمينك ولا يمكن نشره إلا إذا بثته وكالة الأنباء.

والنتيجة أن الصحف تفقد الكفاءات المتميزة فمن ذا الذي يرضى أن يبقى زمناً طويلاً في مناخ يصيب إمكاناته المهنية بالصدأ، كما تفقد الصحف الجمهور والدليل توزيع صحف أيام العطلات، ففي حين تتبوأ صحف الأحد القمة في المجتمعات الغربية نجد صحف الجمعة في اغلب البلدان العربية يقل توزيعها، كما يهرب الكتاب من نشر مقالاتهم خلالها، لأنها ببساطة لا يراها أحد. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن المؤسسات وحدها هي التي تشترك في الصحف فيما تقل اشتراكات الأفراد لعدم جاذبية الصحف أو لصعوبة العثور على ما يقرأ فيها.