تداعيات فضيحة البرلمانيين البريطانيين جديرة بالتأمل العميق في الاستغلال الأخرق للمخصصات المالية للنواب هزت الطبقة السياسية وصدمت الشعب في بريطانيا. السخط العارم على مستوى النخبة والجماهير لم يمس القناعات المشتركة بالنظام الديمقراطي في كشف الفضيحة رد للصحافة الاستقصائية عافيتها في زمن الضغوط المثالية على الإعلام الورقي. أعضاء مجلس العموم واجهوا سبق ديلي تلغراف برد فعل غاضب بلغ حد التشهير والتهديد بالتعويض أمام المحاكم.

الصحيفة المرموقة قابلت الانفعال المحموم بنشر تفاصيل لم تكن في خالد النواب الفاسدين. تحت ضغط الحقائق المنشورة كل صباح أمام القراء ابتلع النواب التبجح الكذوب، روائح الفضيحة النتنة لا تعين على البقاء في منصات الدفاع. بعض أدخنة الفضيحة أوراق حمامات، أغذية حيوانات، شراشف وكاسات نبيذ على حساب دافع الضرائب.

الطبقة السياسية البريطانية شعرت على تباين انتماءاتها بالخجل الفاضح، كل السياسيين انهمكوا في احتواء تداعيات الفضيحة. التغطية عليها لم تعد ممكنة. ديلي تلغراف أثبتت أنها لم تكن تناور. ما تحت إبط الصحيفة أكبر من توقعات النواب. البعض سارع لتسديد المبالغ التي حصل عليها من وراء دافع الضرائب دون وجه حق. قادة الأحزاب سارعوا للاعتذار للناخبين. الفضيحة حملت وزيراً على الاستقالة، الهم السياسي بات منصباً على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة الأحزاب والبرلمان.

المزاج البريطاني العام مثقل بخصومات مع السياسيين. حالة العداء لم تكن تتطلب الصدمة الناجمة عن فضيحة المخصصات المالية للنواب. أسهم حزب العمال هبطت مثل المحافظين في البورصة الشعبية. معدل الهبوط لدى الحزبين الكبيرين بلغ 4% في ظل الفضيحة. ثقة الناخبين البريطانيين في السياسيين صارت أكثر انحساراً. 12% فقط من البريطانيين لم يفقدوا الثقة في غوردون براون رئيس الوزراء مقابل 21% لصالح كاميرون زعيم المحافظين. هذه أبرز مؤشرات قياس الرأي العام مع تداعيات الفضيحة.

السخط انصب على الممارسين لكن ما من بريطاني ألحد في النظام الديمقراطي. عدد من النواب برر الفضيحة بالأداء في إطار القانون. الرد على التبرير الزائف انطلق من فهم عام بأن القوانين من صنع النواب. لدى الجميع قناعة باتت مشتركة بإصلاح النظام أمر ضمني. الساسة البريطانيون ليسوا أكثر فساداً من غيرهم في بلدان أخرى. الاعتراف بالخطأ فضيلة ليس أفضل منها إلا الإقبال على سد الثغرات أمام الوقوع في الأخطاء.

الفضيحة البريطانية تكشف في أحد جوانبها القدرة على تطوير التجربة. أكثر من ذلك الشفافية في التعامل مع القضايا. منح كل مسألة طارئة حجمها دون تضخيمها لتصبح أزمة تؤدي إلى جلد الذات أو الكفر بالنظام.

صحيفة ديلي تلغراف قدمت أنموذجاً للعمل الصحافي المتكامل إذ أخذت القضية على محمل الجد حتى حازت على وثائق لا تمكنها فقط من الدفاع عن نفسها بل تجبر الآخرين على تجاوز الصمت إلى الإصلاح. بعض النواب البريطانيين اتهموا ديلي تلغراف بدفع المال مقابل المعلومات وهددوا بمقاضاتها تحت طائلة السرقة.

تلك تهمة لم يستطع مرددوها التلويح بها أمام دفق التفاصيل المباغتة كل صباح. إذا صح ذلك الاتهام فان الصحيفة ترد تلقائياً على كل من يرى نهاية وشيكة للصحف الورقية في زمن الإعلام الالكتروني. في كل الحالات أثبتت الجريدة البريطانية أن الصحف لا تزال قادرة على هز الأنظمة السياسية.