أثناء دراستي العليا للقانون الدولي في جامعة موسكو في زمن الاتحاد السوفييتي لاحظت غياب باب «حقوق الإنسان» من المنهاج، رغم أنه باب أساسي في هذا التخصص، وعندما سألت عن السبب أجابني أحد أساتذة القسم بأن «حقوق الإنسان» ليس منهجا علميا بل مجرد سلاح يستخدم فقط ضد المعسكر الاشتراكي «الشيوعي»، وليس له علاقة بالقانون الدولي بل هو شأن داخلي بحت ومتضمن في نصوص القوانين الداخلية في كل دولة.

لم أقتنع بكلام الأستاذ الروسي اعتقادا مني «آنذاك» بأن السوفييت في مجتمعهم الشمولي لا يستطيعون تحمل أي بند من البنود الثلاثين التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في الأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948، والذي وقعت عليه غالبية الدول الأعضاء ما عدا جمهوريات الاتحاد السوفييتي وجنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية، وخاصة البند الأخير الذي ينص على أنه «لا تملك أي دولة أو جماعة أو فرد الحق في القيام بأي عمل أو نشاط يمس الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان».

من البديهي أن لا يقبل أي نظام شمولي أي قيد أو رقابة من أية جهة على تعامله مع أفراد شعبه، ولما كان هذا الإعلان الصادر عام 1948 مع المواثيق التي صدرت في الأمم المتحدة عام 1966 يشكلان معا منهاج «حقوق الإنسان» في القانون الدولي فإنه من المتوقع أن يستبعد المنهج برمته من مادة القانون الدولي في المجتمعات الشيوعية الشمولية.

لقد ظلت لدي هذه القناعة راسخة تماما حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وكنت ما زلت مقيما في روسيا، وبعد الانهيار وحتى عام 1997 شاهدت ما حدث في روسيا من فوضى واضطرابات وأزمات، ولاحظت انتشار مصطلح حقوق الإنسان والحريات بشكل مكثف، وتابعت الانتشار الكبير للمئات من المنظمات وجمعيات حقوق الإنسان في روسيا، والتي تروج بشكل واضح لنموذج الحريات حقوق الإنسان في الغرب دون أية مراعاة لطبيعة الشعب الروسي وعاداته وتقاليده.

ثم ظهرت بعد ذلك فضائح كثيرة لهذه المنظمات والجمعيات تتعلق بعملها الاستخباراتي لحساب جهات أجنبية ونشاطها المتعلق بعصابات المافيا والمخدرات وتجارة الرقيق الأبيض وتجارة أعضاء الجسم وغيرها من الفضائح. في الساحة العربية انتشرت هذه الظاهرة بعد أحداث 11 سبتمبر وإعلان الرئيس بوش عن حملته لمحاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية والحرية، وشاب منظمات وجمعيات حقوق الإنسان في المنطقة العربية ما شاب نظيرتها في روسيا من سمعة سيئة وشبهات العمالة والأنشطة غير الشرعية.

لكن كل هذا لم يقنعني حتى الآن باستبعاد منهج حقوق الإنسان من منهاج القانون الدولي، والذي مازال ساريا في الجامعات الروسية حتى الآن، كل ما اقتنعت به هو إمكانية محاولة البحث عن صيغة أخرى بديلة للمادة الثلاثين من إعلان حقوق الإنسان تسمح لأي نظام حاكم طوعيا بالمشاركة في إصلاح وضع حقوق الإنسان داخل بلده بالقدر الذي يضمن لأي بلد حماية أمنه واستقلال سيادته.

أو إعطاء السلطة في التدخل والتقييم لمنظمة أو هيئة تابعة للأمم المتحدة مباشرة، فلا يجوز السماح لدولة، أياً كان حجمها كبيرة أو صغيرة، أن تمنح نفسها الحق في تقييم أية دولة أخرى في مجال حقوق الإنسان استناداً لتقارير منظمات مدنية خاصة لا تملك أية مرجعية شرعية دولية.