حتى وقت قريب كانت القاهرة ملاذا لنحو 5 آلاف لاجئ سياسي، بينهم رؤساء معزولون وأمراء مغضوب عليهم وثوار أفلتوا بجلدهم من الثورات التي صنعوها ثم بدأت تأكل أبناءها، بعض اللاجئين سكنوا قصورا تابعة لرئاسة الجمهورية، وآخرون اكتفوا بفيلات في أرقى أحياء القاهرة، وصنف ثالث اختار الذوبان وسط الطوفان الشعبي وتمصر. وربما كان من أكبر ميزات العاصمة المصرية أنها لا تفرق بين الناس على أساس جنسياتهم، فما دمت تعيش فيها أنت قاهري فحسب.
هذه الروح الكوزموبوليتانية ورثتها القاهرة من الإسكندرية وعززها وجود الأزهر الذي ظل يشع بنور علومه على منطقة وسيعة من العالم من أقصى أفريقيا جنوبا إلى أقصى آسيا شرقا إلى قلب أوروبا في الشمال، وكنت اينما وليت وجهك تجد متيمين بروح مصر وعبقها.
لكن حينما تقوم الدنيا ولا تقعد بعد اكتشاف «خلية حزب الله» التي تكونت في الأساس بغية تهريب أسلحة إلى غزة تدرك على الفور أن تغييرا كبيرا يصل إلى حد الانقلاب على الذات قد حدث، وأن مصر لم تعد كما كانت.
لا أحد يعرف ما الذي حدث، فلا مراجعات علنية تمت للتاريخ القريب حيث كانت مصر قبلة الثوار من أطراف الدنيا، يجدون فيها الملاذ والدعم المعنوي والمساندة المادية مع أن اقتصادها لم يكن في أفضل حالاته، ومع ذلك كان هناك يقين عام بأن ما يقتطع من أقوات المصريين لدعم حركات التحرر ظل أفضل استثمار ممكن، وانعكس هيبة وإكبارا لدور مصر، ونقلها من وراء حدودها الضيقة ومساحتها التي لا تتجاوز مليون كيلو متر مربع إلى بلد بحجم قارة حينما تأمر تطاع، وحينما تشير يتدافع المحبون حيث أشارت، وحينما تقع جريحة حرب تتلقفها الأيدي والقلوب الحانية، وتشد من عزمها كي تنهض، وتسمو فوق الجراح، وتنهض كالعنقاء من وسط الرماد.
وفي حوار قبل سنوات أكد لي محمد فائق مدير مكتب الشؤون الإفريقية الذي كان تابعا لرئاسة الجمهورية أن مصر في وقت من الأوقات كانت تقدم الدعم المعنوي والمادي ل37 حركة تحرر، وربما كانت أحد اللاعبين الرئيسيين عالميا لتصفية الاستعمار خلال الخمسينات والستينات.
بالطبع لا يستطيع أحد أن يجزم بدقة المعلومات التي تحدثت عن تخطيط الخلية لمهاجمة أهداف مصرية، ولاعن نشر فكر مذهبي مغاير لما عليه غالبية المصريين.. ولكن الخلفية السابقة تجعل الأجهزة المصرية لا تكتفي بتهمة محاولة تهريب أسلحة إلى حماس خاصة وأن أمرا كهذا لن يلقى إدانة شعبية، وإن كان على المستوى الرسمي في خانات المدان..
واغلب الظن أن القضية خضعت للتسييس، حيث لم تنس القاهرة الرسمية مشاهد الاحتجاج أمام سفاراتها في عدة عواصم بينها بيروت وحرق الأعلام وصور مسؤوليها الكبار غضبا على موقفهم من العدوان الإسرائيلي على غزة، وكانت هذه الخلية فرصة لرد اللكمات بعد أن توقف العدوان وأزيلت حبال الحلبة.
بالطبع ليس مطلوبا التساهل في مسألة تخص التخطيط لهجمات داخل مصر، فأبسط قواعد السيادة تعطي القاهرة الحق في القصاص من المتورطين في ذلك، لكن ماذا إن تداعت هذه التهم في تحقيقات النيابة وأمام منصات القضاء.. هل تجرؤ القاهرة على التنكر لماضيها في دعم حركات التحرر، وتصارح من يأملون في شهامة أهلها أنها تعد كذلك؟ .
