رغم تقديري لفكرة تحميل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني رسالة من خمسة وزراء خارجية عرب للرئيس الأميركي بارك أوباما ولإخلاص نية من اقترحها، إلا أنها خطوة قصيرة وقاصرة عن إدراك الهدف، فهي تنم عن ارتباك عربي وعدم إدراك لعمق التغيرات التي أحدثها مجيء أوباما إلى البيت الأبيض.
من حيث الشكل، فإن الأمر في ظني ينطوي على خلل بروتوكولي ذلك أن المخاطب هو الرئيس الأميركي وليس وزيرة الخارجية، ومن ثم فإن اجتماع الوزراء الخمسة وإعدادهم خطابا لرئيس أقوى دولة في العالم، ربما لن يجد اهتماما في واشنطن، إذ إن وزير الخارجية في غالبية الدول العربية لا يتجاوز كونه موظفا، ففي غياب الديمقراطية تقل بنظر الغرب قيمة من يمثلون الدولة وإن علت مناصبهم.
كما أن الاجتماع الوزاري عقد بعد أقل من أسبوعين من انتهاء القمة العربية، وقد كان معلوما وقت انعقادها أن الملك عبد الله الثاني متوجه إلى واشنطن، ومن ثم كانت الجدية تقتضي أن يكلف اجتماع القمة ذاته أو لجنة منبثقة عنه بمن يعد رسالة لأوباما باسم رؤساء وملوك وليس بأسماء وزراء. وحتى إن لم يكن موعد الزيارة معلوما وقتها، كان إبداء الجدية يقتضي قمة مصغرة تتوجه لأوباما برسالة واحدة أو يطلب زعماؤها عقد اجتماع يضمهم معه، حتى يبسطوا القضية أمامه ويوضحوا أن أيديهم ممدودة لعقد صلح تاريخي عادل، وأن الجانب الآخر هو من يبدي التعنت ويولغ في العداوة استنادا إلى سطوة أميركا ودعمها المفتوح لإسرائيل في الباطل قبل الحق.. مثل هذا الاجتماع كان يمكن أن ينبه أوباما إلى خلل في نسق التصرف الأميركي حيال الصراع العربي الإسرائيلي منذ نصف قرن.
ولأننا لا نتغير ولا تتطور أفكارنا فغالبا ما لا نستطيع إدراك التغير في العالم من حولنا، ولا نستوعب أن جرائم العدوان على غزة قد وضعت إسرائيل وقادتها في الزاوية، ولو كانت هناك مساع جادة لأمكن هذه المرة بالفعل اقتيادهم وراء قضبان العدالة الدولية، خاصة وأن ازدواجية التعامل لابد أن تظهر مفضوحة في ضوء مذكرة اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير.
أما من حيث المضمون، فالرسالة المرفوعة لأوباما إنشائية بحتة لا تحمل اقتراحات محددة ولا خطوات حازمة تجعله يوليها أي اعتبار، فالعقلية الغربية ليست عقلية عواطف، وإنما أرقام ومصالح وتوازنات.. وأغلب الظن أن أقطاب الإدارة الأميركية سيسائلون أنفسهم: ماذا يمكن للعرب أن يفعلوا إن قذفنا برسالتهم إلى سلة المهملات؟ فلا لوبي عربي يخشى منه في التأثير داخل أميركا، ولا هناك تهديد مبطن أو معلن لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة العربية، كما أن المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية حقيقية بين الدول العربية وإسرائيل أصبحت صفرا، هذا ليس على المستوى العربي العام فحسب، وإنما حتى على مستوى سوريا التي لا تزال أرضها محتلة منذ أكثر من 42 عاما على حد ما تعكسه تصريحات المسؤولين السوريين. بل إنه على مستوى المقاومة الفلسطينية فإن هناك ما يشبه العزلة الجماعية المفروضة عليها من العرب بدليل أن وعود مليارات إعمار غزة لم يصل فلس منها حتى اليوم انتظارا لأن تحسم حماس أمرها وتنضوي تحت أفكار اللامقاومة.
هل يمكن وصف التعامل العربي مع تغيير الإدارة الأميركية بأنه بائس؟ وأن العرب يهدرون فرصة أخرى لوضع نهاية نصف مشرفة للصراع؟
