مفاجأة غير سارة تلك التي كشفت عنها وثائق رسمية أميركية خلال الأسبوعين الأخيرين، تمثلت في إماطة اللثام عن تعاقدات بين الجامعة الأميركية بالقاهرة ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أحدها يتعلق بتقديم خدمات استشارية وإدارية للجيش الأميركي، والآخر لإجراء أبحاث لصالح سلاح البحرية الأميركية عن الأمراض المعدية في مصر.

قد يكون مقبولاً ان تتعاون جهات أكاديمية مع بعضها البعض، تتبادل الخبرات والأبحاث، وتتشارك العلم الإنساني والمكتشفات التي لم يعد يجدي معها أن تنغلق جامعة على نفسها، لكن أن يكون التعاون بين جامعة على أرض مصرية يفترض أنها تخضع للقانون المصري، مع جيش أجنبي يتقلب بين العداء والصداقة، فهنا يضيء الضوء الأحمر، وتتوالى علامات الاستفهام.

في زمن الثورات الماضي كان يمكن لمعلومات من هذا القبيل أن تعتبر نوعاً من الديماغوغية والكيد السياسي، فكثيراً ما تشوهت حقائق من أجل حشد الجماهير وراء أفكار تحويل المؤسسات الأجنبية إلى مؤسسات وطنية، غير أن الوضع تغير الآن، ومن يكشف الوثائق ليس جهة أمنية مصرية وإنما البيت الأبيض وهيئة «نظام معلومات التوريدات الحكومية» الأميركية وهي هيئة رسمية في إطار مراجعة للتعاقدات منذ عام 2004 وحتى الآن. كما ان التعاقدات ليست قديمة وإنما تتعلق بآخر ثلاث سنوات مضت.

ما الذي يدفع الجامعة الأميركية في القاهرة إلى عمل كهذا بينما ينظر إليها الجميع على انها جهة أكاديمية شديدة الاحترام، وما الذي يدعوها لتشويه ما قدمته للمجتمع المصري خلال عقود طويلة، هل كان ذلك سعياً وراء البحث عن موارد وهي التي لا يجرؤ على التفكير في الدراسة بها إلا أبناء النخبة المصرية القادرة على دفع رسوم دراسية تصل في المتوسط إلى أربعين ألف دولار في العام الواحد؟ هل بعد كل هذه المصروفات الدراسية الضخمة تلهث جامعة بتاريخها إلى مئات آلاف الدولارات؟

الحقيقة أن هناك أسئلة كثيرة تحتاج إجابات شافية، فالقاهرة ليست وحدها التي تضم جامعات أجنبية، بل أصبحت الأخيرة تنتشر في العواصم وكبريات المدن العربية ويتاح لها مالا يتاح لغيرها من قانون خاص واستقلالية تجعلها أحياناً فوق قوانين المجتمعات التي تعمل على أرضها.

أليس من حق كل عربي الآن أن يتشكك في الدور الخفي الذي تقوم به الجامعات الأجنبية في العالم العربي، إذا افترضنا أن الجامعة الأميركية بالقاهرة لم تكن تغرد خارج السرب، ومن ذا الذي يحدد إذا كانت الأبحاث الخاصة بالمجتمعات لا تجد طريقها إلى غرف المخابرات السرية؟

لقد أبدى البعض في مصر هواجس من أن تكون أبحاث أمراض المصريين التي أشرف عليها سلاح البحرية الأميركية استهدفت تصنيع نوع محدد من الأسلحة البيولوجية الفتاكة، بل وذكر البعض بأسطورة السلاح الجيني الذي تسرب أن إسرائيل تصنعه لمواجهة العرب خاصة انه ليست هناك كوابح تمنع انتقال أي شيء أميركي إلى دولة الاحتلال.

ربما تكون هواجس من هذا النوع أمراً مبالغاً فيه، لكن القلق الذي خلفته وثائق تعاون الجامعة مع الجيش الأميركي يظل مشروعاً، فمتى تصبح الجهات الأكاديمية أكبر من أن تكون مجرد أدوات للجيوش؟.. سؤال يستحق مناقشة مستفيضة على أعلى المستويات.