مع تقديري للتفاؤل الذي ساد بعد قمة الدوحة والبيان الختامي الذي ينم عن وعي بالمخاطر التي تحدق بالأمة العربية، فإن النتائج الحقيقية التي ستتحول أفعالا على أرض الواقع تجعلها مشابهة لعشرات القمم السابقة ناتجها صفر كبير.
ليس في الأمر تشاؤم ولا سوداوية، فكل الاجتماعات الرسمية العربية منذ قمة أنشاص عام 1946 حتى الدوحة 2009 لم تنتج إلا أدبيات قد تسد رمق الباحثين في التجارب الوحدوية الفاشلة وهم بضع عشرات لكنها لاتسد رمق المتعطشين إلى الحياة في أوطان سوية لاتعاني ازدواجية، فتقول غير ماتفعل، وتفعل في السر نقيض أفعالها العلنية، وتتحول في النهاية إلى طبل أجوف لايخيف الطامعين ولا يرد المعتدين، ولا يروي ظمأ المتعطشين الذين لايزال بإمكانهم اجترار ذكريات أزمنة مضت.
وإذا كانت العوامل التي تجمع الشعوب لاحصر لها من الدين شبه الواحد إلى التاريخ المشترك واللغة المشتركة والمشاعر المتماثلة والسلوك المتجانس وطريقة التفكير الواحد والجذور المشتركة فضلا عن الامتداد الجغرافي والانصهار التاريخي، فإن كل ذلك يصبح هباء منثورا أمام العوامل التي تفرق القادة وهي أضعاف مايجمعهم .
علينا أن ندرك اختلاف قادتنا في كل شيء، فمنهم من يستند إلى ارث قبلي أو تاريخي ومنهم من جاء إلى السلطة على دبابة ومنهم من قاد انقلابا ابيض، ومنهم من ورث السلطة، ومنهم من ورثته السلطة، كذلك تختلف الأعمار وطرق التفكير والمرجعيات والقوى المساندة .. فمنهم من يحكم الجماهير عن اختيارها الطوعي ومنهم من يحكم بأجهزة الأمن أو الجيوش ومنهم من يحكم استنادا إلى ذهب المعز الذي يسيطر عليه، وكثيرون يستندون إلى تراضي قوى كبرى أو يتمتعون بعلاقات لاتنفصم مع إحداها.
ويزيد من بشاعة الحال أن الجماهير العربية إما غائبة أو مغيبة أو سلبية. كذلك ذبلت شعلة القضايا القومية الجامعة، ففلسطين لم تعد في القلب كما كانت بعد تناحر فصائلها السياسية والعسكرية، والعراق تراجع بعد تدخل القاعدة والصراع المذهبي العنيف الذي غطى على الصراع مع الاحتلال، وانكفأ كل بلد على نفسه بعدما سلمت الدولة التي كانت رمانة الميزان دورها ليتقاسمه آخرون ليس بإمكانهم امتلاك كاريزما القيادة على الأمد الطويل، فتوارى العنوان الواحد للعرب وحلت محله عناوين متضاربة كل منها يغني على ليلاه، فهناك دول الاعتدال ودول الممانعة ودول حائرة يطيب لها أن تتبع قول دريد بن الصمة : «وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد».
والسبب الأهم الذي يفشل القمم ويجعلها كأن لم تكن، ضعف الإرادة وعدم وجود بوصلة تحدد اتجاه المنافع وما إذا كانت الروابط العربية مازالت صالحة فعلا للبناء عليها من عدمه؟، والعجز عن مصارحة النفس بالتوجه الحقيقي الذي يجب أن تسلكه الدول لتحقيق مصالحها الوطنية، وكذلك دبلوماسية جبر الخواطر، فكثير من الزعماء الذين يذهبون للقمة في بلد ما لايشاركون عن قناعة حقيقية بأهمية القمة ذاتها بل خوفا من كسر خاطر قائد الدولة التي تستضيفها، ولو عقدت قمة في الصومال أو جزر القمر لرأينا حقيقة رأي الزعماء في القمم.
لماذا لا نبدأ البناء من جديد على القواعد الحقيقية التي قادت أصحاب تجارب أخرى إلى النجاح وحولتهم من دول مشرذمة لايجمعها رابط إلى كيان دولي قوي يحسب له ألف حساب بدلا من البناء على أعمدة من رمال حين يفاجئها البحر لا تسمع لأهلها ركزا.
