تأتي أزمة وتنقشع أخرى وتظل أم الأزمات والنكبات في عالمنا العربي شاخصة لا يمسها سوء، كأنها صنم ضخم تحرسه الجن، ومن يقترب من حرماته يلقي به في غياهب السجون أو يذهب وراء الشمس، كما درج العرب على القول.
لم تعد الحرية مجرد حق طبيعي للإنسان، ولا لعموم المجتمع في أن يولي أموره من يشاء أو يعزل من يشاء وإنما هي كالماء والهواء في عصرنا اللاهث وراء العلم والمخترعات، وكم من أجيال ضاعت.. واختفى أثرها دون أن تثبت أنها هنا كانت تحيا، ولم تخلف غير النكبات والمرارات للأجيال اللاحقة.
اول مضار غياب الحرية هي صعود أشخاص غير مؤهلين سياسيا أو ثقافيا إلى سدة السلطة، فلا يقدرون المهمة الضخمة الموكلة إليهم، ولا يستطيعون أن يعرفوا للناس أقدارهم، فتصاب الكفاءات بالإحباط وتلجأ إلى الانكفاء على ذاتها أو الهجرة إلى بلد آخر يقدر مواهب وقدرات الأشخاص، وكم هي محزنة الأرقام التي تعلن كل حين عن هجرة الكفاءات العربية والتي تحرم الدول العربية من إمكانية التميز الكيفي علميا وثقافيا وتكنولوجيا، وتحول الكم البشري الذي يتبقى راضيا بواقع الحال إلى عبء وليس ثروة.
ثاني هذه المضار اعتبار المعارضين السياسيين إما أعداء للوطن، أو خوارج عن الحالة المزاجية العامة للمجتمعات، أو مرتبطين بالغرب، وبما أن الغرب مساند لإسرائيل فإنه يجري التلويح بشكل أو بآخر أن المعارضين يقفون في خندق أعداء الوطن، فيتم بذلك إغلاق باب التداول السياسي، ويحرم الأجيال اللاحقة من الحلم بالتغيير، كما تتوقف بالضرورة مصانع إنتاج ساسة المستقبل والتي كانت متمثلة في التنظيمات الطلابية والسياسية والنقابية، إذا كانت موجودة أو لا ترد على البال إذا كانت منعدمة، والنتيجة إحساس عام لذوي الطاقات الخلاقة بأن الوضع الذي يعيشونه عبء على ضمائرهم، حتى وإن كانوا من غير المشتغلين بالسياسة أو حتى المهتمين بها.
ثالث المضار تفكيك المؤسسات التي تتشارك صناعة القرار أو إضعافها، فتتحول السلطتان التشريعية والقضائية إلى مجرد تابع للسلطة التنفيذية، وهذا يخلق حالة الاستبداد المزمن للحاكم فيتعود أن كلمته لا ترد، وأن إرادته قدر لا يدفع، وآراؤه في توافه الأمور من ينابيع الحكمة التي ينبغي أن تعقد الندوات والمؤتمرات المطولة لشرح مقاصد قفشاته وتعليقاته، وكأنه أصبح منزها «لا ينطق عن الهوى»، فإذا ما انتهت الفترات المسموح بها تم تغيير الدساتير.. وخرجت التظاهرات التي تلقى فيها الخطب العصماء تطالبه بالبقاء « وعدم ترك الوطن يغرق».
هذه الأنظمة التي تصبح كالمرض المزمن لا يمكن دفعه أو التخلص منه، تتشكل حولها بؤر من المنتفعين الذين يسيطرون على صنع القرار، ومراكز النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فتتحول الأوطان إلى عزب خاصة وبالتالي تصبح الأوطان رهينة أقليات بالآلاف في بعض الدول، وبالعشرات في دول أخرى، وغالبا ما يحدث الزواج الحرام بين «الثروة والسلطة» صانع القرار هو نفسه التاجر والصانع وسمسار الأراضي، فتتغير القوانين كما تشاء ومتى تشاء النخب الحاكمة.
