أجمل ما في الكتاب الذي يحمل هذا العنوان، هو تلقائية نصه المطابقة تماما لتلقائية كاتبه حمدي عبد الرحيم، فمثلما يمثل حمدي في الوسط الصحافي حصانا بريا يستعصي على الترويض والتدجين جاءت الكتابة التي تحقق طموح عالم النفس والشاعر الفرنسي الشهير أندريه بريتون (1896-1966م) حيث لا تمارس الكلمات دور الشرطي على الأفكار، فتنطلق الأخيرة نشيطة جديدة.
يأخذنا كاتب « فيصل ؟ تحرير» إلى أعماق المجتمع المصري وإلى قمة وعيه في الوقت نفسه عبر سائقي الميكروباص ومحرري الديسك الذين رضوا بالصعلكة في ردهات صحف صغيرة تحاول قدر ما تستطيع الإفلات من سطوة الرقابة الذاتية التي أبدع الوسط الصحافي المصري حتى وقت قريب في جعلها أكثر عمقا وشمولا مما تحلم به السلطة. ويعرض جانبا من الصراع النفسي الذي يجد فيه أشباه حمدي (وهم قليلون) أنفسهم بين مطرقة الحقيقة وسندان الحد الأقصى الذي يسمح به زواج السلطة برجال الأعمال.
وبين النموذجين يصور لنا الكاتب نموذجا ثالثا شديد البؤس يتمثل في أولئك الذين يحاولون الالتحاق بقطار الصحافة وهم لا يجيدون مجرد القراءة والكتابة، أو حتى فهم دلالات الألفاظ على نحو صحيح، وأولئك الذين أجبرهم العصف بالطبقة الوسطى المصرية على مدى العقود القليلة الماضية على الاشتغال بأعمال لا تناسب مهاراتهم أو حتى أخلاقهم.
في فيصل ـ تحرير يخرج المجتمع غضا كما هو الواقع بسخافاته وبذاءاته، كما بأخلاقه وقيمة العليا، وهو في المحصلة مجتمع يعشق الحياة ويتشبث بها حتى الرمق الأخير، ويعاند ثقافة الموت بعثية سبق أن صورها صلاح عبد الصبور بقوله في إحدى قصائده « أنا الذي رجعت من بلاد الموت دون موت، حين أتاني لم يجد لدي ما يميته، فعدت دون موت»، هو يتعامل مع شقاوة طالبات الثانوي بمنطق صلاح جاهين« ياللي نهيت البنت عن فعلها قول للطبيعة كمان تبطل دلع« وبين حيرة الشباب وافتقادهم المرجعية السياسية والاجتماعية حين يريدون أن يتخلوا عن سلبيتهم فيلجأون لواعظ شهير عله يجد لهم حلا لمشكلة ينبغي أن تحلها البلدية .
وبمنطق الريفي الذي لا يزال يغلب عليه الحياء يمر حمدي مرور الكرام على الشخصيات التي يحتقرها أو يتجنب ذكرها تماما، ويفيض في تعداد مزايا أولئك الذين يحبهم، لكن الخيط رغم ذلك لا يتسرب من بين يديه، بل يظل شاخصا وشديد الحضور بين السطور أو في ثنايا الكلمات محققا مقولة جبرا إبراهيم جبرا بأن«الكتابة التلقائية ليست لغوا، بل هي جزء من لغة النفس وهي في الأعماق، لا تنطق إلا بالرموز المغلقة».
هل قصد حمدي عبد الرحيم أن يجرنا إلى سريالية جديدة أم انه حاول فقط أن يكشف لنا حقيقة التغيرات التي لحقت بالمجتمع المصري في الآونة الأخيرة فشوهت بعضه وتوشك أن تعصف بما تبقى، وألم يكن انتقاده لنفسه بسخرية وشفافية يبيح له أن يذكر أسماء الذين انتقدهم وسخر منهم ثم خشي في نهاية المطاف أن يعتبروا ذلك نوعا من التجريس فأخفى هوياتهم..
في بعض الأحيان يحس المرء ان «نداهة» الصحافة اختطفت حمدي من عالم الأدب مثلما حرمتنا أم كلثوم من أحمد رامي كشاعر فصحى كان يمكن أن يصبح أعظم شاعر عربي على امتداد الدهر، لكن عزاءنا انه نفخ من روحه في عرش كوكب الشرق كما ينفخ حمدي من روحه في بلاط صاحبة الجلالة.
