صرحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أثناء لقائها مع نظيرها الروسي سيرجي لافروف في مؤتمر نزع السلاح في جنيف الجمعة السادس من مارس الجاري بأن «الوقت قد حان لبداية جديدة مع روسيا»، وقالت أيضا «يجب علينا أن نجد سبل للعمل البناء مع روسيا»، ووصفت كلينتون لقاءها مع لافروف بأنه «مثمر جدا»، وضغط الاثنان معا على زر أحمر كرمز لانطلاقة جديدة للعلاقات بين البلدين.
كل هذا تم في شكل احتفالي حضره وزراء خارجية الدول الأوروبية، ومن المؤكد أن الجميع كان يسأل نفسه سؤالا واحدا هو «هل حقا ستتغير العلاقات بين موسكو وواشنطن في عهد إدارة الرئيس أوباما للأحسن ويكون هناك تعاون مثمر ومفيد بين البلدين؟
الواقع يقول إن هذا الأمر شبه مستحيل، حيث أن عامل «انعدام الثقة» قائم بين البلدين منذ عقود مضت، فقد تعاملت الولايات المتحدة مع انهيار الاتحاد السوفييتي على أنه انتصار لها، واعتقدت واشنطن أن هذا الانتصار يعطيها الحق في الهيمنة على العالم، وجاء العام ألفين ليسجل عودة جديدة لروسيا على الساحة الدولية مع الرئيس فلاديمير بوتين، وجاءت هذه العودة في نفس التوقيت التي انطلقت فيه الولايات المتحدة لتنفذ مخططها العالمي في إطار ما أسمته بـ «الحرب على الإرهاب الدولي» بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001.
وكان من الممكن لروسيا أن تترك أميركا تفعل ما تشاء وتنشغل هي في خطط الإصلاحات والتنمية الداخلية، إلا أنها وجدت نفسها مستهدفة بشكل مباشر في هذه الحملة سواء في استقرارها وأمنها الخاص أو في مصالحها على الساحة الدولية، وبدا هذا واضحا في التغلغل الأميركي في دول الجوار السوفييتي ومحاولات حلف الناتو للتوسع شرقا بضم جورجيا وأوكرانيا أو بنشر منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية في أراضي بولندا وتشيكيا المجاورتين للحدود الروسية.
كما صعدت واشنطن أزمة البرنامج النووي الإيراني وبشكل يضرب مصالح روسيا و تواجدها في سوق التكنولوجيا النووية السلمية ، ودعمت واشنطن أيضا استقلال كوسوفو عن صربيا حليفة روسيا، وبدأت واشنطن وحلف الناتو يتغلغلان في وسط آسيا بزرع قواعدهم العسكرية هناك، وبدا واضحا استهداف روسيا والسعي لمحاصرتها.
لم تقف روسيا مكتوفة الأيدي، فأعلنت رفضها التام والحاد لكل ما تفعله واشنطن معها، ومن هنا بدأ الصدام بينهما الذي زادت حدته أثناء حرب القوقاز في أغسطس الماضي والتي بدا فيها الدعم العسكري الأميركي لجورجيا واضحا للجميع، وكشرت روسيا عن أنيابها لتكشف للعالم أنها لن تتهاون في الدفاع عن مصالحها.
الآن بعد أن تم طرد أميركا من وسط آسيا وأصبحت في أشد الحاجة للمساعدة من روسيا في أفغانستان، وبعد تفاقم الأزمة الاقتصادية، تأتي إدارة أوباما لتتقرب من روسيا و تبدي استعدادها للتفاهم معها حول كل الخلافات بينهما، فهل تثق روسيا، وتصدق أميركا؟.
