هل في هذا الزمن العربي متسع للأحلام؟ ربما.. فالأحلام وحدها هي الكفيلة بتحقيق التوازن النفسي لنا حين نرى الآخرين يتقدمون ونحن ننحدر إلى الأسفل، تحولنا إلى قوم ضعفاء ومهزومين.. نتحسر على ماضينا الناصع يوم كانت حوافر خيولنا تمتد على أغلب رقعة العالم المسكونة في القرون الوسطى من الصين إلى الأندلس، وجهود علمائنا تنير أطراف الكون وتفتح مغاليقه أمام الباحثين من كل الدنيا.

لاحاجة اليوم ولا نفع من وراء جلد الذات ولا البكاء على اللبن المسكوب، فإذا كان الماضي قد ولى والحاضر يتسرب من أيدينا تسرب سنوات أعمارنا دون أن ندري، إذن لابد من أن نمسك بتلابيب المستقبل من أجل أجيالنا القادمة. كيف يتم ذلك؟ الإجابة ببناء قاعدة علمية على أسس صحيحة لا يمكن للخارج حصارها ولا تخضع لهوى حاكم فيعصف بها. من هنا نبتت مبادرة «حلم العلم» التي اقترحها الشاعر المصري جمال بخيت وتحمست لها صحف مصرية على رأسها «المصري اليوم» و«صباح الخير» و«الكرامة».

ودعا فيها إلى اكتتاب شعبي مصري لتأسيس قاعدة علمية يتولى إرساء قواعدها علماء مشاهير من أبناء مصر على رأسهم «الدكاترة» أحمد زويل ومصطفى السيد ومجدي يعقوب وفاروق الباز ومحمد النشائي ومحمد البرادعي ومحمد غنيم. تقوم الفكرة على أساس اكتتاب 40 ألف شخص يلتزم كل منهم بدفع 2500 جنيه مصري (نحو 1700 درهم) كل عام لمدة عشر سنوات لهذا المشروع الضخم على أن يفتح باب التبرعات لكل راغب وحسب ظروفه وقدراته المادية ولو كان يستطيع دفع جنيه واحد.

وعلى الفور شبت عودة الروح في المجتمع المصري وبدأ يحتشد وراء الفكرة وتذكر السنوات الخوالي في بداية القرن العشرين، حين قادت اكتتابات مماثلة إلى إنشاء صروح علمية واقتصادية مازالت مصر تعيش تحت ظلها إلى اليوم ولعل أشهرها جامعة القاهرة وبنك مصر. هل مصر بكل ثرواتها الاقتصادية والبشرية تحتاج إلى مبادرة كهذه؟ نعم هي في أشد الحاجة إليها، فالرهان على أن الحكومات تستطيع فعل كل شيء قد أثبت فشله على مدى العقود الماضية فلا الحكومات فعلت ولا الشعوب احتشدت واستدعت طاقاتها وإمكانياتها لتخرج بالأوطان من النفق المظلم الذي تعيش فيه.

بقيت أزمة الثقة التي تغل يد كل راغب في التبرع، فحين يجد المصريون أسماء من الوزن الثقيل تعطي جهدها ووقتها لإدارة مشروع كهذا وتسيّره، ستتولد الثقة في نفوس الناس، فمن ذا الذي لا يثق في زويل أو البرادعي أو عشرات غيرهما من اللامعين الذين ليسوا في حاجة إلى مال ولا إلى مجد، وإنما تحركهم دوافع الوطنية والرغبة في الإفلات بأوطانهم من ربقة التخلف. أليست كل البلدان العربية بحاجة إلى استنهاض قواها وتأسيس مبادرات مماثلة؟ نعم.

فميزة هذه المبادرات أنها تعيد عبق الوطنية إلى نفوس الناس الذين ملوا من الواقع السخيف والمتردي الذي نحياه، وترد إليهم روح الإيجابية بعد أن ضربت السلبية واللامبالاة أطناب حياتنا. لماذا لا يمسك بالخيط نفسه عشرات في كل مجتمع يقودون الجموع إلى اكتتابات من أجل المجهود العلمي كما كنا نفعل من أجل المجهود الحربي؟. أليس خوض غمار التقدم أولى من أي حرب بالسلاح، خاصة إذا كانت سترد لنا بعضاً من كبريائنا المفقود.

لاشك ان نهضة أي مجتمع عربي ستعود بالخير على المجتمعات الأخرى، فالجميع في مركب واحد يوشك أن يغرق، وبدلاً من محاولة كل منا الإفلات بجلده.. لماذا لا ننقذ السفينة بأكملها؟

magdishendi@hotmail.com