على الرغم مما يبدو أحيانا على السطح من وجود خلافات بين روسيا و إيران، وانتقادات من موسكو لمواقف طهران وتصريحاتها العدائية وإصرارها على تخصيب اليورانيوم على أرضها، رغم كل هذا فقد أتمت الشركات الروسية بناء محطة بوشهر منذ أيام قليلة ووعدت بتوفير الوقود النووي للمحطة لعشر سنوات قادمة.
ترى ما هي الدوافع التي تقف وراء الموقف الروسي الداعم بقوة لإيران ولماذا تبقى موسكو على مصالحها مع طهران وأحيانا على حساب مصالحها مع الغرب وواشنطن في هذه الأزمة المتصاعدة التي حشدت لها واشنطن على الساحتين الدولية والإقليمية بكل جهودها خلال الأعوام الأربعة الماضية.
الواقع أن روسيا التي تخلت عن الأيديولوجيات وعن سياسات التحالفات الإستراتيجية والمواجهة مع الغرب واختارت لنفسها سياسة الانفتاح على العالم واقتصاد السوق والمصالح المشتركة مع جميع الدول بذلت قصارى جهودها من أجل الوصول لحلول دبلوماسية لأزمة النووي الإيراني، ليس من أجل إيران، بل من أجل مصالحها الاقتصادية، لأن موسكو على قناعة تامة بسلمية البرنامج النووي الإيراني القائمة هي على تنفيذه.
وهذا ما أكده رئيس الوزراء الروسي الرئيس السابق بوتين، حيث صرح أكثر من مرة بأنه على يقين من أن إيران لا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، ولكن شعور روسيا منذ بداية تصعيد الأزمة بأن وجودها في السوق العالمية للتكنولوجيا النووية السلمية مهدد بالخطر، وأن تخلّيها عن إيران وعن تنفيذ برنامجها النووي للنهاية سيفقدها مصداقيتها في هذه السوق الواعدة، وسيجعل بقية الدول تخشي وتتردد في التعامل معها هو الذي دفعها إلى اتخاذ هذا الموقف منذ البداية.
لقد حاولت موسكو كثيراً تهدئة الأزمة والبحث عن حلول دبلوماسية لها، ولكنها وجدت نفسها مهددة بشكل مباشر في مصالحها الاقتصادية عندما قررت واشنطن والأوربيين فرض عقوبات مشددة على إيران تضر بمصالح روسيا وتعاملاتها المباشرة مع إيران في مختلف المجالات، كما أن موسكو لا تستبعد أن يؤدي تشديد العقوبات وردود فعل طهران عليها ورفضها لها إلى مضي واشنطن في تنفيذ مخططها بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران سوف يكون لها بالغ الأثر على أمن واستقرار المنطقة التي تقع بالقرب من الحدود الروسية.
وخصوصاً منطقة بحر قزوين التي تمثل أهمية قصوى لروسيا والتي تسعى واشنطن و الأوربيون بجدية إلى السيطرة على موارد الطاقة فيها وتحويل خطوط نقل النفط والغاز منها خارج الأراضي الروسية للأسواق العالمية.
شيء أخر هام في رأينا وهو أن موسكو تستخدم إيران كبوابة أو معبر لمنطقة الخليج والشرق الأوسط التي تهيمن عليها واشنطن وتلعب فيها إيران دورا محوريا، بينما تواجه روسيا صعوبات وتعقيدات كثيرة للعودة للعب دور فعال و مؤثر في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
ولا تجد حماسا من العرب لدعوتها للعب هذا الدور الذي هو في الأساس لمصلحة العرب قبل غيرهم، إن لم يكن لخلق توازن في القوى مع واشنطن، فعلى الأقل لضمان تحجيم الدور الإقليمي المتصاعد لإيران التي لا تستطيع الاستمرار في تصعيد دورها بدون الدعم السياسي والعسكري الروسي لها.
