حسب تقارير الخبراء الاقتصاديين العالميين التي ظهرت خلال الأشهر الماضية فإن هناك ثلاث دول فقط في العالم كله يمكن لها أن تخرج من الأزمة المالية العالمية بأقل خسائر ومعاناة عن غيرها، هذه الدول هي روسيا والصين والسعودية، ويرجع الخبراء هذا إلى احتفاظ هذه الدول الثلاثة بأكبر احتياطات من الأموال وكذلك لمتانة المنظومة البنكية لديها وللإشراف الأكبر من الدولة.
في ظل هذا نلاحظ أن روسيا منذ اندلاع الأزمة أصبحت ملجأ للكثيرين، وكانت أولى الدول التي لجأت لها أيسلندا التي أعلنت إفلاسها بسبب الأزمة في أكتوبر الماضي، وها هي دول أخرى تلجأ لروسيا مثل أسبانيا وإيطاليا، ودول أميركا اللاتينية، كما أن أفغانستان التي يئس رئيسها كرزاي من الحليف الأميركي أعلنت عن نيتها اللجوء لروسيا، وكذلك العراق، وبالطبع فإن الجار أولى بالمعروف، ولهذا نجد جيران روسيا من الجمهوريات السوفييتية السابقة تلجأ للجارة الكبيرة لمساعدتها.
روسيا التي لم تعد «جمعية خيرية» تعطي بلا مقابل كما في العهد السوفييتي لم تضيع الفرصة، واستغلتها لخدمة أهدافها الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية أيضا، فها هي تعفي دول من الديون مقابل تحويلها لاستثمارات داخل هذه الدول، وها هي تمنح القروض للدول على شكل استثمارات روسية لديها أو لشراء أسلحة روسية.
و لا شك أن هذا التغلغل في الروسي في مختلف دول العالم لا يروق لخصومها وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ولكن ما العمل، والأزمة المالية لا تسمح لأحد أن يفعل مثل روسيا الآن. آخر الصفقات الروسية الرابحة سياسيا وإستراتيجيا وأيضا اقتصاديا، هي منح قيرغيزيا مساعدة مالية قدرها مئة وخمسون مليون دولار وقرضا مقداره مليارين من الدولارات في صورة مشاريع استثمارية روسية في هذه الجمهورية الفقيرة في وسط آسيا.
أما المقابل الإستراتيجي والسياسي الهام الذي حصلت عليه روسيا من هذه الصفقة فهو قرار رئيس قيرغيزيا كرمان باقييف طرد القاعدة ألأميركية من أراضي بلاده، وهي آخر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة وحلف الناتو في وسط آسيا بعد طردهما من القاعدة التي كانت موجودة في أوزبكستان عام 2005.
و قد ظلت قيرغيزيا تماطل في طرد هذه القاعدة طيلة العامين الماضيين بسبب وعود كثيرة من واشنطن لها، ولكن وبسبب الأزمة المالية التي تهدد الاقتصاد الأميركي بالانهيار فقدت قيرغيزيا الأمل في الوعود الأميركية وتحولت تماما نحو جارتها روسيا التي قدمت لها صفقة لا تستطيع واشنطن ولا أية جهة أخرى الآن أن تقدمها لها بسبب الأزمة المالية العالمية. هذه الأزمة التي باتت فرصة كبيرة لمن يملك المال مثل روسيا لتحقيق مصالحه، وربما لاستعادة نفوذه على الساحة العالمية.
ويبقى السؤال عن الذين ما زالوا يضعون رهاناتهم كلها على واشنطن ويغمضون أعينهم عن التغييرات الجذرية التي تجري على الساحة الدولية، ونخص من هؤلاء العرب بالتحديد، أما آن لهم أن يفيقوا قبل فوات الأوان ؟
