قال قائد الحرب الأفغاني ضد السوفييت برهان الدين رباني في حديث له مؤخراً « إن الأميركيين هدموا كل ما بناه السوفييت في أفغانستان من مستشفيات ومدارس ومعاهد و مؤسسات وطرق» ، هذا كلام رجل حارب السوفييت. وفي جورجيا وأوكرانيا يقولون إن الأميركيين وعدونا بالحرية والديمقراطية ولم يجلبوا لنا سوى الفقر والنزاعات والمشاكل مع جيراننا.
هذه المقولات تعكس طبيعة التدخل الأميركي في شؤون أية دولة ، حيث لم يسمع أحد ولا مرة واحدة أن الأميركيين بنوا مدرسة أو مستشفى أو عبدوا طريقاً أو أسسوا مصنعاً أو مشروعاً اقتصادياً يخدم شعوب الدول التي دخلوها ، فهم لا يأتون حيثما ذهبوا إلا بالدمار والخراب والقتل وينهبون ثروات الشعوب من دون مقابل يقدمونه لهم.
افريقيا القارة السوداء التي عانت على مدى قرون طويلة من المستعمرين الذين نهبوا ثرواتها واستعبدوا شعوبها لم تر من الأميركيين حتى الآن سوى الحروب والقتل ومنح المال والسلاح التي تعطى لقادة وزعماء الدول والقبائل والجماعات حتى يشعلوا الحروب ويقتلوا بعضهم بعضاً لتدخل القوات الأميركية لتثير المزيد من القتل والدمار تحت حجج مختلفة مثل « محاربة الاضطهاد العنصري » أو « مقاومة الإبادة الجماعية» أو «حماية حقوق الأقليات» أو «نشر الديمقراطية» ، وكلها شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع الافارقة ولا تجدي في محاربة الأمراض والأوبئة المنتشرة في القارة السوداء ، فقط أحياناً ترسل واشنطن طائرة أو اثنتين ببضعة أكياس من الحبوب والغلال تحمل العلم الأميركي تحت مسمى المساعدات الإنسانية ، وما هي إلا قوت أيام قليلة يساعد الفرق المتقاتلة والمتناحرة على مواصلة القتال فيما بينها.
لقد طرحت روسيا على قمة الثمانية الكبار عام 2001 برنامجاً تحت اسم «الشراكة الجديدة من أجل تنمية افريقيا» حيث رأت روسيا أن الحل الرئيسي لمشاكل القارة السوداء هو التنمية ، وأن دور الدول الكبرى الغنية هو المساهمة بشكل فعال في هذه التنمية ، ولكن الدول الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة لم تعير البرنامج الروسي أي اهتمام ، وذهبت روسيا تعمل وحدها في تنمية بلدان القارة السوداء ، وأعفت موسكو الدول الافريقية الفقيرة من ديون لها بلغت نحو عشرين مليار دولار.
وذهبت الاستثمارات الروسية والصينية إلى القارة السوداء في مشاريع عديدة مثل الطاقة والتصنيع وشق الطرق والبنية التحتية ، وبينما تفكر واشنطن بجدية في إشعال الحرب في السودان وتقسيمه إلى أجزاء صغيرة ، نجد روسيا تنشئ أكبر مصنع لسيارات الشحن الثقيل في جنوب السودان وتسعى لإنشاء مشاريع استثمارية كبيرة في إقليم دارفور وفي شمال السودان ، وذلك ليس بهدف التنمية والاستثمار فقط ، بل بهدف إحباط المخططات الأميركية لإشعال وتفجير الأوضاع في هذا البلد الافريقي الكبير.
شعوب القارة الافريقية وأنظمتها ترحب أكبر ترحيب بالروس والصينيين الذين جاءوا إليهم ليستفيدوا ويفيدوا في نفس الوقت، بينما أصحاب المصالح الضيقة من أمراء الحرب ربما يرحبون بأميركا وخططها المدمرة، ولكن لا شك أن البقاء في النهاية سيكون للتعمير والتنمية والسلام.
