من المعروف عن الولايات المتحدة أنها لا تعطي أية أهمية للشعوب، وأنها تضع كل رهاناتها على الأنظمة الحاكمة فقط، ولم نسمع عنها أنها شيدت مستشفى أو مدرسة أو مصنعا أو مسرحا أو سدا مائيا أو عبدت طريقا في أي دولة من الدول التي سارت على دربها وأيدت سياساتها، وحتى معوناتها المزعومة لا تذهب للشعوب بل لنخبة معينة تعمل في خدمتها وتنفذ سياساتها داخل الدول، ولا نعتقد أن هذه برجماتية بقدر ما هي سياسة استعمارية جديدة تغزو أميركا بها الدول تحت شعارات جوفاء مثل «نشر الحرية والديمقراطية والإصلاح» وغيرها.
وهناك ظاهرة غريبة تحتاج إلى دراسة وتحليل، وهي ظاهرة تخلي واشنطن دائما عن حلفائها من الأنظمة الحاكمة حين سقوطهم ، هذا إذا لم تساهم هي في إسقاطهم بعد انتهاء مهامهم وحرق أوراقهم و انفجار شعوبهم ضدهم ، وغالبا ما تُعد أميركا النظام القادم ليحل محل الحليف الراحل.
وليس برويز مشرف في باكستان أول ولا آخر «البراويز» الأميركية التي كانت نهايتها على هذا النهج، وليس غريبا ما سمعناه أن واشنطن رفضت منح مشرف حق اللجوء السياسي لديها ، ولدينا نماذج كثيرة مشابهة بدءا بفاروق ملك مصر المخلوع عام 1952 والذي وعده الأميركيون باستقباله وتوفير اللجوء له على أراضيها ودعمه لاستعادة عرشه، وخرج فاروق من مصر إلى نابولي في إيطاليا.
وظل يلح على واشنطن أن تفي بوعدها والسفير الأميركي يرفض مقابلته ، حتى جاءه أحد موظفي السفارة بعد ستة أشهر ليخبره أن واشنطن لا تستطيع استقباله ، وشاه إيران الصديق الحميم لواشنطن الذي خرج من بلاده بعد ثورة الخميني ورفضت واشنطن استقباله ، وطلبت من الرئيس المصري الراحل أنور السادات عدم استقباله، والرجل يحلق في طائرته يعاني من المرض ولا يجد من يستقبله، وحاكم بنما مانويل نورييجا الذي قدم للمخابرات الأميركية ما لم يقدمه أحد من عملائها الكبار ، وكان من أقرب الأصدقاء لبوش الأب أثناء رئاسته للمخابرات الأميركية، ولم يمنع هذا من هجوم القوات الأميركية على بنما عام 1989 والقبض على نورييجا وإلقائه في السجن.
نموذج حديث وهو رئيس جورجيا السوفييتية السابقة إدوارد شيفرنادزه الذي خلعته الثورة الوردية المدعومة بالكامل من واشنطن في نوفمبر 2003 ، وقال بعد خلعه إنه أعطى الأميركيين أكثر مما طلبوا منه لكنهم خانوه ودبروا الانقلاب ضده ، ونموذج آخر رئيس أوزبكستان إسلام كريموف الذي كاد أن يسقط لولا القدر، بعد أن اختاره البيت الأبيض عام 2000 أكبر حليف لواشنطن في آسيا الوسطى خاصة بعد أن وطد علاقاته مع إسرائيل حتى اتهمته موسكو بأنه حول بلاده إلى مركز للموساد والسي أي أ.
ولكن لم يطل الأمر وانقلبت واشنطن على كريموف ودعمت الانتفاضة الشعبية ضده في مايو عام 2005 ، وتصدت واشنطن لحملة دولية تطالب بتحقيق دولي لنظام كريموف لقمعه المتمردين ضده ، ورفضت موسكو وبكين التحقيق الدولي ، ليستوعب كريموف الدرس بسرعة ويأمر بطرد القاعدة الأميركية من بلاده في ظرف شهرين ، وتخرج القاعدة وتعود أوزبكستان لأحضان جارتيها الكبيرتين روسيا والصين.
وتتوالى النماذج وتسقط البراويز الواحد تلو الآخر، وتبقى الشعوب لتعاني من الأنظمة التي وضعت كل رهاناتها على واشنطن لا لشيء سوى لمصالح خاصة وملايين من الدولارات لا يصل منها للشعوب شيئا، وشعارات حرية وديمقراطية كاذبة، ووعود فارغة ، وخوف لدى بعض الأنظمة من تقليب واشنطن المعارضة عليها، حيث لا يوجد نظام واحد حليف لواشنطن إلا ولدى المعارضة في بلاده خيوط اتصال مع الأميركيين.
