لاتنظر إليّ ولا تشغلنك وحدتي، لا تلتفت للمقعد الخالي والقنديل المنطفئ، بل أنظر إليها، إليها وحدها وأمعن فيها النظر، هل ترى احمرار وجهها الموشي بالعافية والخير، وتلك الحشائش المتناثرة على مد النظر، وذلك الأفق الرمادي المنسكب في زاويته الحادة، تمعن في الفضاء الممتد حولك فهذا ليس كل شيء، بل يوجد الكثير مما يحيط بالإطار، فهي كنز من العطاء المخبوء، لا تظهر من كنوزها العريقة سوى الجزء القليل.
هي هكذا تستدرجك إلى صدرها الشاسع بدعوة سلسة، أو ربما مصادفة تأخذك عبر طريقها العابر حينها قد تكون مأخوذا بشرودك لكنها حتما ستدهشك بصمتها المتسع وهيبتها الأبدية لتهرع نحوها مهرولا بشغف، فتغمس قدميك في بحر رمالها الحنونة متجاهلا الحذر، لاشك بأنك ستتخلص من شحنات توترك وأنت تنفث أنفاسك المجهدة بمجرد أن تطأ قدماك رملها.
هاهي مسترسلة أمامك فاخلد إلى رحابها، واشحن عينيك بمرآها المذهل، هي الصحراء الخالدة في أرواحنا، هي فضاء من السلام فيها يحلو التطواف، كما يحلو فيها السمر والاستجمام. هي نعمة كبرى تغبطنا عليها المجتمعات كافة، فيشدون الرحال إليها ليستمتعوا بسماء ليلها الصافية ونجومها المتلألئة ونسيمها النقي.
كم تعلقوا بها فوصفوها بالساحرة، ولكم تغنى بها الشعراء ولكم نهلوا منها بلاغتهم، وأذابوا فيها عواطفهم، وشجونهم لتذروها كما تذري الرياح رمالها المتحركة.
وحدها الصحراء حين تقصدها تغنيك بروحها وروحانياتها، هي الصحراء المشرّبة بالغموض لكنها لن تضللك عن سواء السبيل بل هي ترشدك، وأول ما ترشد.. إلى نفسك وحقيقتها. إنها كتاب الحياة المفتوح عند المنتصف، ولك أيها الباحث عن معنى الوجود وعن تفاصيل الكائنات أن تقلب صفحاتها يمنة ويسرة فلن تخيب مسعاك ولن تخيب ظنك.
صحراؤنا ليست رمالا متحركة، ولا حشائش أزلية برية وموسمية، ولا حرارة شمس لاهبة وسراب.. بل هي نعيم يلملم الشتات ويعيد تشكيل الذات. وهي اليوم مقصد للراحة والاستجمام، واستجماع الطاقة البدنية والروحية والذهنية، فيها تتوزع وتتنوع المنتجعات الفاخرة لتوفر لك كل ما يحقق الراحة، بل إنها توفر للمرء حتى ما لم يحلم به، ولكم في منتجعي المها وباب الشمس مثل.
