غاية ما يريده المرء في الحياة؛ السعادة، ويبذل من أجل تحقيقها الكثير على الصعيدين المادي والمعنوي، ويجتهد في ابتكار وسائل واتباع طرق لعلها تمنحه تلك الومضة التي تخترق جوارحه، وتلقي في نفسه بريقا تشرق به ملامحه، ليتذوق تلك الغاية. فمن يتصورها في النجاح أو في المال، ومن يراها مع العيال، وآخر في المركز والمنصب، وغيرهم يطلبونها من مجالات متنوعة.

لاشك أن تحقيق الرضا في حد ذاته مطلب ليس سهلا، فليسوا كثر من يرون في القناعة كنز لا يفنى. تلك الغاية دفعت بالكثير من علماء الاجتماع والنفس للاجتهاد بالبحث في أغوار النفس البشرية من خلال السلوك والرغبات، لمعرفة كوامن الكائن البشري ومكوناته المعقدة وطرائق تفكيره المختلفة، ومن ثم توجيهه إلى سبل تحقيق الغاية المرجوة، والنهل من ينبوع السعادة. في العقد الأخير أصبح هذا التوجه هاجسا لدى الباحثين، وأخذت نتائج البحوث في هذا الشأن تغزو مكتبات العالم.

وتتزاحم على معابر التواصل ووسائل التسويق وطرق التوزيع فتحقق بذلك نسب مبيعات مرتفعة باعتبارها كشفا معجزا، حتى أنها أصبحت ملهمة لمنتجي البرامج التلفزيونية الاجتماعية منها والثقافية فتفوقت في تحقيق نسب مشاهدة عالية، بسبب ما تسلط عليه الضوء من نتائج في هذه البحوث، والتي بدورها تخلص بنتيجة مفادها أن السعادة ليست امرا مستحيلا أو مبدأ طارئا، ولا هو شأن ذو عوامل خارجية.

وتأتي التجارب مجتمعة لتؤكد أن السعادة في داخل المرء وليست منفصلة عنه، وإنما تكمن في نظرته، وكيفية تعامله مع الأشياء والمواقف والأحداث. لكن الأهم هو رد الفعل الأول، تفاؤلا كان أو تشاؤما، ليستجلب ذلك الانطباع الطاقة السلبية أو الايجابية من الكون. كم يغبط المرء نفسه على نعمة الفطرة، حين يتذكر أن كل تلك الجهود قد لخصتها الأمهات منذ القدم في كلمة (الفال) وحذرن من ذكر السوء ولو مزاحا (فالفال - كما يقلن - عند المنطق).

falhudaidi@albayan.ae