ثمة قرار يجب أن يُتخذ في بداية العام الجديد: دعونا نكن واضحين حيال الاختيارات التي نطرحها نحن كدولة. وأنا متأكد من أنه إذا فهم الأميركيون الخيارات التي تُقدم، فإن حالة من الاستفزاز ستتملكهم سواء أكانوا محافظين أم ليبراليين، ذكوراً أم إناثاً، أثرياء أم فقراء ومهما كانت ديانتهم أو المنطقة التي ينحدرون منها أو أصولهم العرقية.
و لننظر إلى أحد الخيارات التي يزمع الكونغرس تقديمها. إذا سارت الأمور كما تريد لها القيادة الحالية فإن الكونغرس سيمرر أكثر من 100 مليار دولار في صورة تخفيضات ضريبية مع بداية العام الجديد، النسبة الأكبر من هذه المخصصات المالية ستذهب إلى فائدة الطبقة الفاحشة الثراء.
وفي الوقت نفسه، سيقرر الكونغرس أيضا أكبر خفض في برامج الإقراض الجامعي في التاريخ، وهو الخفض الذي ستصل قيمته إلى 7 ,12 مليار دولار خلال خمس سنوات.
و أنا بدوري أعتقد أن العدد الأكبر من الأميركيين لا يؤيد رفع تكلفة الدراسة الجامعية على الطلبة من أجل إدخال خفض ضريبي يستفيد منه أثرى الأثرياء. وعلى الرغم من ذلك فإن هذا هو ما تخطط لفعله الإدارة والقيادة المحافظة للكونغرس.
ثلثا خريجي الجامعات يلجأون إلى القروض من أجل دفع رسوم الدراسة الجامعية. ويبلغ متوسط دين الخريجين نحو 20000 دولار. والتقليص في حجم القروض الطلابية التي مررها الكونغرس لتوه، وذلك بحسب أراء الخبراء الذي أوردتها صحيفة «وول ستريت», سيرفع من متوسط التكلفة الجامعية خلال السنوات العشر المقبلة بنحو ألفي دولارعلى الطلاب وبنحو 3000 دولار على الآباء.
و يأتي هذا في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة الدروس الخصوصية ورسوم الدراسة إلى مستويات قياسية. ومع الاعتراف بأن عامل التضخم قد لعب دورا، فإنه يتبين أن تكاليف الجامعات الخاصة قد ارتفعت بأكثر من الثلث في السنوات العشر الأخيرة. وارتفعت تكاليف الجامعات العامة بنحو 50%.
فضلا عن ذلك فإن الولايات آخذة في تقليص الدعم الذي تقدمه للجامعات، وهو الأمر الذي يرغم تلك الجامعات على رفع تكاليف الدروس الخاصة ورسوم الدراسة. نحن الآن نشهد عملية خصخصة بطيئة للتعليم العالي؛ والنتيجة هي أن التعليم الجامعي أصبح في طريقه إلى أن يكون في غير متناول عدد أكبر وأكبر من العائلات الأميركية.
تلك التكاليف آخذة في الارتفاع في الوقت الذي نقول فيه للأميركيين إن التعليم الجامعي و التدريب المتخصص يمثلان معا جواز المرور الوحيد إلى الطبقة المتخصصة. ويتزامن هذا أيضا مع اختفاء الوظائف النقابية ذات العائد الجيد في مجال الصناعة، وكذلك المعاشات والرعاية الصحية، التي هي الأخرى آخذة في التلاشي بوتيرة سريعة.
يقول قادتنا، سواء بيل كلينتون أو جورج بوش، إنهم لا يمكنهم فعل شيء حيال هذا الأمر، ولكنهم يرون أنه في حال أن ينجح المرء في إلحاق أولاده بالتعليم العالي، فإنهم سيسيرون بشكل جيد في ظل الاقتصاد العالمي للقرن الواحد والعشرين. ومن دون ذلك فإن الجيل المقبل من المحتمل أن يواجه مستقبلا أقل أمانا وأقل حظوظا من الزمن الذي عاش فيه آباؤهم.
و في الوقت الذي يقول فيه قادتنا إن التعليم الجامعي لا يمكن الاستغناء عنه، فإن حقيقة الأمر تشير إلى أن عدد العائلات التي تستفيد من هذا التعليم آخذ في التناقص.
تقول اللجنة الاستشارية البرلمانية الخاصة بالمساعدة المالية للطلبة إنه بحلول 2010 لن يتمكن نحو 4,4 ملايين من خريجي الثانوية العامة من الالتحاق بالتعليم الجامعي ذي الأربع سنوات. ومليونان لن يتمكنوا من الالتحاق بالجامعة مطلقا لأنهم لن يتحملوا تكاليف الدراسة الجامعية.
و عدد كبير من الطلبة الجامعيين يضطرون الآن إلى العمل لساعات طويلة من أجل توفير تكاليف تعليمهم الجامعي . وغالبا لا يستطيع الصغار تحمل هذا العبء الكبير. وهناك نسبة تصل إلى 53% من الطلبة الجدد الذين ينتمون إلى أسر محدودة الدخل والذين يعملون أكثر من 35 ساعة في الأسبوع يتسربون من الدراسة ولا يحصلون على شهادة.
وبشكل متزايد أصبح الآباء الذين يحاولون بكل وسيلة ممكنة توفير مستقبل جيد لأطفالهم مثقلين بالقروض الجامعية وذلك على الرغم من أنهم يواجهون أيضا ضرورة توفير أموال لفترة تقاعدهم.
يقول جيمس سي غرلاند، رئيس جامعة ميامي في أوهايو: « بعد أن ارتفعت تكلفة التعليم الجامعي الحكومي ذي الأربع سنوات إلى أكثر من 50 ألف دولار، أصبح من الحتمي أن يكون مواطنو الطبقة المتوسطة مثقلين بالقروض أو يضطرون إلى التخلي عن طموحاتهم الجامعية. ولا يوجد ثمة دليل واحد على أن مثل تلك الموجة ستتراجع بل إنها ستزداد سوءاً».
و في الأونة الحالية، ينبغي لقادتنا تجميع الأمة وراء مجهود مشترك يهدف إلى ضمان أن يكون التعليم الجامعي متاحا للجميع. الأثرياء يتعين عليهم أن يصروا على دفع ضرائب أعلى لضمان تمكن جميع أبناء الشعب الأميركي من نيل حاجاتهم التعليمية.
والشركات والمؤسسات يجب عليها أن تسخر دوائر النفوذ لديها والتي تتقاضى أموالا جمة كي يطالبوا المشرعين بزيادة المنح وبرامج الإقراض. كما يجب على الولايات المختلفة أن تزيد من دعمها المالي للمدارس العامة.
و لكن بدلا من ذلك تطالب إدارة بوش بتقليص قروض الطلبة وصوّت اليمينيون الذين يتحكمون في الكونغرس لصالح أكبر استقطاع ضريبي بل أنهم يصرون على خفض الضرائب على الأثرياء. هذا أمر غير مفهوم ولا يمكن أن ينال تأييد الشعب.
إن الجمهوريين قد ضللوا الشعب بما فعلوه. لقد ظهرت قيادات الجمهوريين على شاشات التلفاز وهم يتشدقون بتلك الوعود التي تفيد بأن الاستقطاعات الضريبية ستوفر «فوائد جديدة كبيرة للطلبة» بخفضها للرسوم وبتبسيطها عملية الالتحاق بالجامعة. ما لا يعترف به هؤلاء هو أن الآباء والطلبة الذين بالفعل يكافحون من أجل تدبير حاجاتهم الأساسية ستنتهي بهم الحال بدفع مزيد من الألوف في صورة فوائد بنكية أعلى.
إن تعليم الجيل المقبل لا يتحمل هذا النفاق السياسي ولا هذا الكذب والتلفيق ولا هذا الإضلال للآباء والشباب. دعونا نقرر أن نجعل الخيارات واضحة أمام أعيننا، وندع الأميركيين يقررون ما إذا كانت الخيارات التي تتبناها الطبقة الحاكمة هي في مصلحة أميركا أم لا.
خدمة: لوس أنجلوس تايمز
خاص لـ «البيان»