توقيت إعلان تقرير لجنة الخبراء المكلفة بترسيم حدود منطقة أبيي السودانية يشكل مصدراً لجهة تصعيد الأزمة أكثر من خارطة الحدود التي توصلت إليها اللجنة، كما أن العقلية التي تصدت لمعالجة الأزمة، أضافت عنصراً إضافياً لتعقيد الأزمة بدلاً عن المساهمة في تفكيكها، وكلاهما..توقيت التقرير والعقلية الرافضة تضافرا سلباً على نحو جعل أبيي وكأنها لغم يهدد عملية السلام بأسرها.
توقيت الإعلان يعكس حماقة سياسية غير مبررة ويفضح عجلة لا تنم عن حكمة تستوعب الحساسيات التي تمور داخل المنطقة. فالبروتوكول الموقع بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية يمهل اللجنة المكلفة برسم الحدود سنتين كاملتين لإنهاء مهمتها ورفع التقرير النهائي إلى مؤسسة الرئاسة السودانية. فما الذي دفع اللجنة إلى اختزال تلك الفترة الزمنية والتعجيل برفع تقريرها في غضون أقل من شهر على تشكيل مؤسسة الرئاسة.
يكتسب هذا السؤال أهمية عند قراءته في ضوء رد الفعل الغاضب الذي يرى أن الخطوة الطبيعية للجنة كان الاعتذار عن مواصلة مهامها. حملة هذا الرأي من أمثال عبدالرسول النور وهو قيادي في صفوف حزب الأمة وينتمي إلى قبيلة المسيرية التي تمثل أحد أطراف الأزمة يقولون إن اعتذار اللجنة يفرضه إقرارها بالإخفاق في التثبت من الحدود التاريخية للمنطقة.
عبد الرسول النور وهو أحد أعضاء اللجنة الخماسية الحكومية في مفوضية ترسيم الحدود، قال إن لجنة الخبراء انتهكت التفويض الرسمي الصادر من قبل الحكومة والحركة، والذي يطالبها بتحديد المنطقة التي كانت تغطيها قبائل الدينكا نقوق وهي التي تم تحويلها من قبل الإدارة البريطانية الاستعمارية في العام 1905 إلى كردفان، ثمة عناصر أخرى تزعم أن لجنة الخبراء لم تعلن فشلها فقط بل ذهبت أبعد من ذلك على طريق مجافاة الحق فتبنت دفوعات اللجنة الخماسية المسماة من قبل حركة قرنق في مفوضية الترسيم.
من الأفضل عند هذا المنعطف إبانة أن اللجنة الخماسية الحكومية تضم في عضويتها إلى جانب النور كلاً من الدرديري محمد أحمد، أحمد صالح، أحمد عبدالله آدم، وجميعهم من أبناء المسيرية بالإضافة إلى زكريا عديم وتضم اللجنة الخماسية للحركة كلاً من دينغ ألور، دينغ أروب وال، جيمس أجيد، وجميعهم من منطقة أبيي، بالإضافة إلى جيمس وال وفكتور اكروك.
أما لجنة الخبراء فيترأسها دونالد بترسون الذي كان سفيراً أميركياً في الخرطوم في الفترة من العام 1992 إلى 1995، وتضم في عضويتها بريطانياً، كينياً، أثيوبياً، وجنوب أفريقي من أصل كيني.
* الرحيل عز العرب
وتقع منطقة أبيي على رقعة تماس جغرافي بين قبائل شمالية وقبائل جنوبية، ودأبت القبائل الشمالية وهي رعوية على التوجه جنوباً في رحلات موسمية تبدأ في النصف الأول من شهر أكتوبر من كل عام بحثاً عن الماء والمرعى لماشيتهم، ويستمر هذا التواجد حتى مطلع أو منتصف مايو من السنة الجديدة، وأصبحت هذه الهجرات الموسمية جزءاً أساسياً من تركيبة المرء في قبائل المسيرية بصفة خاصة وعنصراً صارخاً في نسيج القبيلة التي تردد «الرحيل عز العرب».
هذه الهجرة الموسمية ليست وقفاً على المسيرية وحدهم، بل تمارسها قبائل أخرى مثل الحمر، البقارة أولاد حمد، كنانة التي تنزح جنوباً للظروف المناخية نفسها، غير أن المسيرية وحدها التي تتوغل في مناطق الدينكا نقوق في منطقة أبيي. ولعله من الطبيعي أن يحدث في سياق هذا التدفق الموسمي شمالاً وجنوباً ضرباً من الاحتكاكات والتحرشات القبلية بين أصحاب الأرض والرعاة القادمين والرائحين وتبلغ هذه التحرشات والاحتكاكات حد الإغارة فتسبب خسائر في الممتلكات والأرواح.
لكن هذا الأسلوب التقليدي من الممارسة الحياتية ابتدع آليته التقليدية كذلك كفض الاحتكاكات وكبح التحرشات وحل النزاعات وتسوية الخسائر في الممتلكات والأرواح. وتمثلت تلك الآلية في لقاءات العُمد ونظار القبائل أي ما يعرف بنظام الإدارة الأهلية.
* بابونمر ودينغ ماجوك
وتعتبر «بحيرة أبيض» أبرز مسارح تلك المؤتمرات القبلية التي كانت تكرس إبان حقبة الاستعمار لفض هذه النزاعات. وحسب شهادة الدكتور علي زايد بريمه الخبير في شرطة أبوظبي والذي ينتمي لقبيلة المسيرية فإن أشهر مؤتمر شهدته مرحلة الحكم الوطني ذلك الذي تم عقده في العام 1969 وكان قطباه دينغ ماجوك ناظر دينكا نقوق والد الدكتور فرانسيس دينغ الوزير السابق في الخارجية وبابونمر ناظر عموم المسيرية.
قال الدكتور زايد استدعت السلطات جميع المفتشين الإداريين ورجال الإدارة الأهلية من المناطق المجاورة وأصبح بمثابة منعطف تاريخي وروي أن بابونمر أكد رغبة المسيرية في «التعايش مع أهلنا الدينكا» وإمعانا من الرجل الحكيم في تعزيز نسيج العلاقات بين القبائل في أبيي فقد اسماهم «المسيرية الطوال» كناية عن طول قامات قبائل الدينكا واعتبر بابونمر الاشتباكات والاحتكاكات بين القبائل العربية والجنوبية في المنطقة أمراً بديهياً قائلاً «من كثرة الجوار السنون تغلظ على اللسان».
العلاقات بين القبائل الشمالية والجنوبية لم تنج من انعكاسات وتداعيات حركات التمرد التي شهدها الإقليم الجنوبي وهي حركات اكتست في بعض جوانبها زي الصراع بين العرب والأفارقة والمسلمين والمسيحيين فأذكت هذه الجوانب التحرشات والنزاعات بين القبائل المتخالطة في أبيي. ومع اتساع نشاط وقوة حركة قرنق انخرط العديد من ابناء دينكا نقوق في صفوفها بل ان عدداً من أبرز قادة الحركة ينتمي الى أبيي.
من هؤلاء نذكر دينغ ألور الذي يعتبر أحد القياديين المقربين إلى قرنق بالإضافة إلى ادوارد لينو أحد أبرز المسؤولين في جهاز الاستخبارات التابع للحركة وكوال دينغ مدير التوجيه المعنوي فيها، بل ان بعض المراقبين يقاسم العديد من أبناء المسيرية الذين يعتقدون أن هذا الثقل التنظيمي لأبيي داخل قيادة الحركة يشكل أحد العناصر في تبني لجنة الخبراء مقترحات الحركة والتعجيل بتقديم التقرير.
بغض النظر عن صدقية هذه الفرضية فالثابت أن لهيب حركة قرنق أجج النزاعات داخل أبيي ذلك أن الحركة وفرت أسلحة حديثة للعناصر الجنوبية أو أن تلك الأسلحة أصبحت سهلة التناول فارتفع عدد الضحايا إذ كانت النزاعات في السابق تعتمد على السلاح الأبيض فقط.
* فرقة الفرسان
لكن الثابت كذلك ان أبناء المسيرية شكلوا مصداً تكسرت عنده موجات حركة التمرد التي وجدت مسالك إلى مناطق أخرى مثل جبال النوبة غير القصية عن المنطقة. وساهمت «فرقة الفرسان» وهي ميليشيا قبلية زودتها الحكومة بالسلاح في صد حركة قرنق ووقف زحفها شمالاً. ومع ذلك فقد التحق بها عدد من أبناء المسيرية عندما عززت الحركة الشعارات ضد الحكومة المركزية باسم المناطق المهمشة كاسرة بذلك الإطار التقليدي للصراع الإقليمي بين الشمال والجنوب.
بالإضافة الى حلول السلاح الحديث مكان الأسلحة البيضاء ساهمت عناصر أخرى في زيادة حوادث النزاعات وارتفاع عدد الضحايا فقد تدافعت قبائل من ريفي حمر إلى أبيي هرباً من تقلبات المناخ القاسية ومن ثم زاد حجم الثروة الحيوانية المكدسة في المرعى.
وبالإضافة إلى عمليات الاحتكاك مع القبائل الشمالية كان للجنوبيين في أبيي مشاكلهم الخاصة إذ كانت تنتشر عمليات اختطاف النساء وحوادث الثأر.
كل ذلك كان يحدث في غياب تام للدولة بنفوذها وبسلطاتها خاصة بعد تدمير نظام الإدارة الأهلية، فأصبحت الفوضى تجعل المواطن في صورة أقرب إلى أحد خيارين فهو إما قاتل أو مقتول وانفتح المشهد برمته أمام عملية استقطاب حاد ساهم ظهور النفط في تصعيده نحو درجة أكثر حدة وشراسة. فعمليات الاستثمارات النفطية ضيقت من مساحات المرعى وغيرت مسارات الهجرة المألوفة فأسقطت بعضاً منها وضيقت أخرى. لكل ذلك فقد شكلت قضية أبيي عقبة كأداء أمام المتفاوضين الشماليين والجنوبيين في نيفاشا وتم إفراد بروتوكول خاص بها.
* بروتوكول أبيى
ونص البروتوكول الموقع في 26 أبريل 2004 على منح منطقة أبيى وصفا إدارياً خاصاً تحت الرئاسة إلى حين تنظيم انتخابات على ان البروتوكول المعنون «مبادئ الاتفاق حول أبيى» لم يكن جهداً سودانياً خالصا. إذ «قدمه المبعوث الأميركي الخاص السناتور جون دانفورت إلى النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه ورئيس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق في 19 مارس 2002 ويعلن الطرفان مواقفهما على تبني هذه المبادئ كأساس لحل النزاع حول أبيى وجاء في مبادئ الاتفاق:
ـ أبيى هي جسر في الشمال والجنوب وتربط شعب السودان.
ـ يشتمل الاقليم على تسع مشيخات من دينكانقوق حولت إلى كردفان في العام 1905.
ـ تحتفظ المسيرية والجماعات الرعوية الأخرى بحقوقها التقليدية في الرعي والتحرك عبر أراضي أبيي
ونص الاتفاق على ان يصبح المقيمون في أبيى مواطنين في كل من غرب كردفان وبحر الغزال ويكون لهم ممثلون في المجالس التشريعية في الولايتين.
تمنح قسمة البترول «الجهات المحلية في دينكانقوق 2% والجهات المحلية في المسيرية 2% من عائدات النفط وتنص قسمة السلطة على إدارة أبيى تكون شمولية وممثلة لكافة سكان أبيى، كما قال البروتوكول «تقيم رئاسة الجمهورية لجنة حدود أبيى لتحدد وترسم الحدود في مشيخات دينكا نقوق التسع التي حولت إلى كردفان عام1905».
ونص البروتوكول على أن تنهي اللجنة عملها في العامين الأولين في الفترة الانتقالية، ويضيف تتخذ الرئاسة حال تسلمها التقرير الإجراءات الضرورية لجعل الوضع الإداري الخاص لمنطقة أبيى موضع التنفيذ الفوري. ويختتم البروتوكول بالقول «تبدأ الرئاسة بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل وبشكل عاجل إجراء عملية السلام والمصالحة لأبيي من أجل الانسجام والتعايش السلمي في المنطقة.
هذه الفقرات المنتقاة من البروتوكول تطرح أسئلة بالغة الحيوية يرتبط الأول منها بالمدى الذي تذهب إليه جهود الانصهار بين المواطنين المقيمين في أبيى مع انهم يصبحون مواطنين في كل من غرب كردفان وبحر الغزال. ويتعلق السؤال الثاني بموقف لجنة ترسيم الحدود من مشيخات الدينكا التسع التي حولتها السلطات الاستعمارية في العام 1905 إلى كردفان إذ قالت اللجنة أنها لم تعثر على ما يبين أثراً وثائقيا لحدود هذه المشيخات واعتبرت وفقا لقيادي بارز في حركة قرنق وجود منطقة عازلة بين جنوبي كردفان ومنطقة أبيى حدوداً فاصلة بين المنطقتين.
* أسئلة ملحة
غير أن هذه الرؤية في حد ذاتها تثير سلسلة من الأسئلة تبحث في مجملها عن أسباب تحويل المشيخات التسع إلى كردفان من قبل الإدارة الاستعمارية والحقوق المترتبة على ذلك لصالح المسيرية على مدى مئة سنة وجدوى ضمها في الترسيم الجديد المثير للجدل. لكن أكثر الأسئلة حساسية تتعلق بحقوق المسيرية في المنطقة برمتها في حالة انتهاء استفتاء المصير المقرر في نهاية الفترة الانتقالية إلى فصل الجنوب عن الشمال؟
أبناء المسيرية الناقمون على تقرير اللجنة يشيرون إلى أن الحدود التي رسمت الإطار الشمالي للإقليم الجنوبي عند الاستقلال في العام 1956 دفعت حدود أبيي 70 كيلومتراً إلى الشمال، حسب وجهة نظر عبدالرسول النور الذي قال إن تقرير لجنة الخبراء دفع الحدود نفسها 100 كيلومتر إضافي شمالي بحر العرب، أي أنها قضمت أجزاء من المناطق التاريخية المعروفة داخل النفوذ الموروث لقبيلة المسيرية بشقيها الحمر والزرق.
الدكتور زايد يذهب أعمق من ذلك فيشير إلى أن هذا القضم استهدف ضم هجليج والميرم، كيلك ونياما. وأوضح أن هجليج منطقة عربية صرفة، والميرم خليط بين أكثر من قبيلة، أما كيلك فهي مقر ناظر المسيرية الحمر «الفلايتة»، وكانت قصبة الشيخ سرير الحاج بعد أبيه الحاج أجبر. وتعتبر نياما معقل العجايرة وعمدتهم محمود حامدين.
أبناء المسيرية الناقمون على تقرير الخبراء يتهمون اللجنة بمحاباة عناصر الحركة القياديين المنحدرين من الدينكا الذين يعتبرون أبيي معقلهم، إذ عمدت اللجنة إلى احتواء جميع مناطق إنتاج النفط في أبيي بما في ذلك الآبار الواقعة في دار المسيرية. الناقمون أنفسهم يزعمون أنهم قدموا وثائق تاريخية تدعم وجهات نظرهم، فيما اخفق أبناء الدينكا في تقديم ما يسند طموحاتهم المشروعة منها وغير المشروعة.
المفوضية بأعضائها الخمسة عشر طافوا المنطقة في زيارات ميدانية وقصدوا مراكز لها علاقات بالوثائق التاريخية داخل السودان وخارجه. غير أني أعتقد ـ وأتمنى أن أكون مخطئاً ـ أن المفوضية أهملت عنصراً بالغ الأهمية تمثل في رجال الإدارة السودانية المخضرمين الذين في ذاكرتهم وتجربتهم العملية رصيد من شأنه إعانة المفوضية على أداء مهمتها على نحو أفضل، ومن هؤلاء أمير الصاوي ـ أمد الله في أيامه ـ الذي كان وكيلاً لوزارة الداخلية سنين عدداً.
وأعتقد أن هذا الإهمال طال كذلك عدداً من رجال الإدارة الأهلية الذين كانوا يجسدون سلطة الدولة في تلك المناطق. كما أعتقد أن الإهمال طال الأكاديميين الذين بين أيديهم دراسات معتبرة لخلفية الصراعات وآفاق الحلول، وفي عداد هؤلاء الدكتور زايد، مثلاً لا حصراً، الذي كان أعد دراسة حول «توطين الرحل» ونال بها دبلوماً من جامعة سوانزي البريطانية ونال شهادة الدكتوراه مقابل دراسة حول «الحكم الإقليمي أداة لفض النزاع» من جامعة كاليفورنيا الأميركية. للرجل نفسه رؤية للمنطقة ذاتها باعتبارها نواة لـ «منطقة عازلة» وهي رؤية جديرة بالبحث في سياق الحلول الممكنة على الأقل.
* نسف النموذج
وبغض النظر عن صدقية هذه الفرضيات أو بطلانها وكذلك الحال ازاء ثبوت مزاعم ابناء المسيرية الناقمين على تقرير الخبراء أو نفيها يبقى السؤال المفصلي ذلك الذي يتعلق بتوقيت إعلان التقرير. فمن المؤكد أن الخبراء يدركون الجدل الذي يثيره التقرير حال اعلانه ويعلمون ان أمامهم سنة و يزيد لاستكمال مهمتهم او الاحتفاظ بالنتائج التي توصلوا اليها وكذلك تدرك السلطات المركزية المعنية وتلك التي في الحركة المخاطر المحتملة المترتبة على إعلان التقرير على هذا النحو فما هي الحكمة من التعجيل بنشر التقرير المثير للجدل؟
الجميع يعلمون ان ابيي كانت عظمة نزاع شرس على طاولة المفاوضات في نيفاشا وان تخطيها منح عملية السلام برمتها دفعة قوية ومن ثم فإن إعادة إثارة ذلك النزاع في بداية المرحلة الانتقالية ليس سوى وضع لغم خطير أمام مسيرة السلام التي لا تزال غضة بالغة الهشاشة. من الصعب تبرئة الجهات المعنية بكشف هذا التقرير في هذا التوقيت من الحماقة. ان لم يكن اتهامها بعدم الحكمة وقصور الرؤى. بل يمكن الذهاب على الطريق نفسها وادانتها بمحاولة ايذاء او عرقلة عملية السلام والتطبيع الوطني.
فبعد اجتياز المفاوضات في نيفاشا عقبة ابيي رأت عناصر تحمل السلاح في الغرب والشرق الأفق منفتحا امام بلوغ حلول عملية مع السلطة المركزية لجهة إنماء مناطقهم التي تقع تحت طائلة التهميش وبدت عليها تباشير الثروة أو هي تمتلك عصباً منها ليس مسخراً لصالح ابنائها. تفجير لغم ابيي عند هذا المنعطف من مسيرة السلام الهشة لا يعني فقط فتح المجال أمام إذكاء النزاع القبلي على نحوه التقليدي في المنطقة وحدها وانما ينسف نموذج التعايش الذي انبثق عن مفاوضات نيفاشا.
وهو انموذج بالغ الإثارة في تجربة السودان الجديد الذي يكسر حاجز القبلية والدين. بل من المفترض أن يمضي أبعد من ذلك على طريق تذويب المصالح الضيقة من أجل وطن واحد موحد.
النظام المركزي والحركة الشعبية لم يبديا التزاماً صارماً للتقيد ببرنامج المرحلة الانتقالية مما جعل سكرتير الحزب الشيوعي محمد ابراهيم نقد يقول ان «امامهما خيارين اما حرق المراحل أو تمديد الفترة الانتقالية ويبدو أنهما قررا الخيار الثاني» فإن مسألة ترسيم حدود أبيي لا تكتسب أولوية تجعل التبكير بحسمها أمراً ملحاً لصالح الشراكة بين النظام والحركة أو لصالح السلم الوطني.
الجدل الذي اثاره اعلان التقرير يناقض تماما أي اتساق مع المصلحة الوطنية بل على نقيض ذلك فتح جبهة يتطلب احتواء تداعياتها جهدا وحكمة من الجميع بما في ذلك الشريكان وخصومهما من اجل المصلحة العامة. كما ان التداعيات ستثبت في حالة استشرائها وتخطيها حاجز الجدل الى المواجهات نفاذ رؤى المطالبين بعقد مؤتمر شامل لمعالجة كل القضايا السودانية العالقة. غياب المشروع وقصور الرؤى .
لكن من المؤكد أن التداعيات طالت بالفعل الحركات المناهضة للسلطة المركزية في الغرب والشرق، ولن ترتضي تلك الحركات حلولاً غير حاسمة لجميع قضاياها ومطالبها وطموحاتها مما يعقد عملية التفاوض الجارية مع أبناء دارفور، وتلك التي ستبدأ مع مجموعات البجا. غير أن هذا النهج لن يكون قاصراً على المناطق الملتهبة، بل يغري بعض المناطق الجغرافية وعدداً غير قليل من الشخصيات للمناداة بترسيم حدودهم لأسباب قد لا تبدو مقنعة أحياناً، وقد تكتسب قدراً من الظرف الاجتماعي أحياناً أخرى.
وهذا ليس من باب العبث، بل نتاج طبيعي لغياب المشروع الوطني الذي يمكن أن يستنفر الجهود القومية في سبيله. فإذا سلمنا بأن مسألة ترسيم حدود أبيي ليست في صالح السلام، وهو المشروع الوطني المفترض أن يستقطب الجهود القومية، فإن تعجيل إعلان تقرير اللجنة ليس سوى حماقة المقصود منها إما إطلاق أنبوب اختبار ساذج من قبل جهة أكثر سذاجة لقياس رد الفعل الشعبي، أو أن العناصر الجنوبية القيادية من المنطقة نفسها في حركة قرنق استعجلت المباهاة بتحقيق انتصار «زائف» لأهلهم في أبيي. وهو زائف لأنه يتم على حساب المشروع الوطني المفترض.
هذا وذاك ليس سوى جوانب لقصور العقلية التي نهضت لمعالجة الأزمة من جذورها، لكن القصور الأكثر تخلفاً أن المعالجة برمتها لا تواكب التغيرات الجذرية التي طرأت على المنطقة في خضم الإنتاج النفطي، وهو عنصر بالغ الأهمية سيفرض بالضرورة تغييرات جوهرية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
وفي ضوء هذه التغييرات الاقتصادية الممكنة والتي بدأت بالفعل تفرض خطوطها على واقع المنطقة يكون الحديث عن المرعى ومسارات الماشية ضرباً من التشبث بالواقع القديم بدلاً عن بحث آفاق المشروعات المستقبلية التي من شأنها تأمين حياة أفضل للقبائل الشمالية والجنوبية بوسائل إنتاج أكثر عصرنة.
ليس بالضرورة أن يلغي من الأفق وسائل الإنتاج التقليدية للعرب والدينكا على الأقل في المستقبل القريب، لكن من المهم العمل على تحديث تلك الوسائل، وهناك نماذج على طراز مصنع بابنوسة يمكن النسج على منوالها. كما لا يزال اتفاق بابو نمر ودينغ ماجوك يشكل الطراز الاجتماعي الأكثر إغراءً لتفعيل التعايش الاجتماعي بين القبائل المتداخلة في المنطقة. لقد هزم بابو نمر كل العوائق والحواجز عندما أطلق على الدينكا وصف «المسيرية الطوال».
نماذج مصنع بابنوسة وطراز حلول بابو نمر ودينغ ماجوك لن تأتي في غياب المشروع الوطني الجاذب للطاقات القومية، ولن يصلح السلام مشروعاً وطنياً في غياب تكامل الرؤى الاقتصادية والاجتماعية لجوانبه، وفي غياب الإرادة السياسية البصيرة التي تملك الحكمة التي تغلّب مصلحة الوطن على الجميع.
ربما إدراكاً لهذا الغياب تنادت مجموعة من السياسيين والحقوقيين الشماليين والجنوبيين للاجتماع في نيروبي في وقت سابق تحت رعاية مجموعة «العدالة الإفريقية» وأصدرت ما بات يعرف بـ «إعلان نيروبي» الذي أكد على تأمين حقوق المسيرية التاريخية في منطقة أبيي حتى في حال حدوث انفصال بين الشمال والجنوب.
كان بين تلك النخبة علي محمود حسنين نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، ومحجوب محمد صالح عميد الصحافيين السودانيين، وعبدالحمود حاج صالح القيادي في حزب الأمة، وديفيد كوكو أحد مستشاري قرنق، والجنوبي يوهانس أكول وجلال السيد من الحزب الشيوعي. كأنما كانت تلك النخبة تستبق حدوث شيء يستهدف إرباك الجميع على غرار حماقة التبكير بإعلان تقرير لجنة الخبراء.
هذه النخبة لم تكن تجهل انعكاسات النفط على خارطة المنطقة، لكنها تعلم جيداً الفرص التي جرى إجهاضها والوعود التي لم يتم تحقيقها من قبل الأنظمة المتعاقبة لصالح أبناء المنطقة بصفة خاصة.
بقلم: عمر العمر