اغتنم خمساً قبل زوالها

في هذه الحياة لكل إنسان منا أهداف وغايات، وأفكار وميولات، فمنا من يحسن اختيار الطريق ويحرص كل الحرص على ألا يميل يمنةً أو يسرةً، ومنا من لا يكترث وغير مبال، تجده ضائعاً يهيم في كل واد، كما أن العاقل يراقب نفسه وينظر في أعماله وعواقبها، ويصحح مساره حتى يستقيم له حاله ويتحقق له رجاؤه، فكن عاقلاً حكيماً وتفقد نفسك وحالك. 

وقد بعث الله سبحانه وتعالى نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- بالحنيفية السمحة والهدى، موجهاً وناصحاً ورحيماً وحريصاً على البشرية بأن يسلكوا المسلك القويم والصراط المستقيم لينالوا رضا خالقهم عز وجل، ووجّه ووعظ صلى الله عليه وسلم رجلاً وبين له أسباب السعادة والفلاح والاستقامة والصلاح، فعن عبدالله بن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه: «اغتَنِم خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَك قبلَ هَرمِك، وصحَّتَك قبلَ سَقمِك، وغناكَ قبلَ فقرِك، وفراغَك قبلَ شُغلِك، وحياتِك قبلَ موتِكَ»، وهذه وصايا عزيزة من سيد الخلق، من حرص على الأخذ بها؛ سيظفر بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة وسيجد أثرها في نفسه وأهله وولده.

واغتنام الإنسان لشبابه الذي تكمن فيه قوته ونشاطه لهو في غاية الأهمية، فعلى الشاب أن يعي هذا ويستثمر شبابه في طاعة خالقه بفعل ما أمر سبحانه وأن يؤدي ما افترض عليه من العبادات وفعل الطاعات التي تقربه إلى ربه من صلاة وصيام وبر الوالدين والإحسان إلى الناس بالأقوال والأفعال، وغيرها من الأعمال والأقوال الموصلة لمرضاته سبحانه، وأن يبتعد كل البعد عن الأعمال والأقوال التي نهى الله سبحانه عنه وأن يجتنب الأسباب الموصلة إليها، ومن كان محسناً في وقت شبابه سيكتب له أجره كاملاً، بإذن الله، وقت هرمه وعجزه، وعلى الشاب أن يستغل وقته فيما يعود عليه وعلى أسرته ومجتمعه ووطنه بالنفع. 

وعلى الإنسان أن يدرك نعمة الصحة، وأن يحمد الله عليها، فكم من مريض طريح الفراش، وكم ممن يعاني على الأسرّة البيضاء من الأوجاع والآلام، ويبيت الليلة وهو في أنين، وفي حالة لا يعلم بها إلا الله؛ فعلى العاقل أن يتّعظ بغيره من المرضى وأن يدرك قيمة الصحة التي يتمتع بها، وأن يسعى من خلالها في إرضاء خالقه وألا يريه منه إلا كل خير. 

ونِعمُ الله على عباده كثيرة، ومنها نعمة المال، فعلى الإنسان أن يقدم ما افترضه الله عليه من الواجبات والحقوق والطاعات، وأن يؤديها على أكمل وجه، ومنها: الزكاة والصدقة على الفقراء والمساكين والإنفاق على والديه وأهل بيته وولده وغيرها من مجالات الإنفاق ما دام في غناه، قبل أن يفتقر وتوصد عنه بعض أبواب الخير التي يحتاج إليها في كسب الحسنات والتزود من القربات، وأن يحرص على اغتنام وقت فراغه بما ينفعه، وأن يستثمر أوقاته بالتزود من الطاعات وفعل الخيرات، قبل أن تعتريه المشاغل التي قد تصرفه وترهقه وتتعبه. 

وأوصي الجميع لا سيما الشباب باغتنام حياتهم الاغتنام الصحيح، وعلينا أن نتذكر أن أيامنا محدودة، وليالينا معدودة؛ فهلا وقف كل منا يتأمل في حاله، ويسأل نفسه ماذا قدم لآخرته؛ فإن الآجال تأتي بغتة والأعمار تنتهي فجأة، فكم من قريب أو حبيب أصبح معنا وأمسى في قبره، فأصبح مرهوناً بعمله؛ فعلينا الاعتبار ممن سبقونا، نسأل الله رضاه والجنة ونعوذ به من الغفلة.

طباعة Email