ما نحتاج إليه لا سيما عند البلاء

مما لا شك فيه بأن الدنيا دار امتحان واختبار، دار بلاء ورخاء، دار حزن وسعادة، فهي متقلبة في حالاتها، لا تستقر لأحد لا لغني ولا فقير، فينبغي للعاقل عدم الركون إليها، بل يأخذ منها ما ينفعه ليوم المعاد، ويحقق له سعادة دنياه وأخراه.

ونحن ولله الحمد والمنة نؤمن بقضاء الله وقدره، ونؤمن بأن المقدَّر من عند الله جل في علاه هو خير لنا في الدنيا والآخرة، وعلى المسلم الاستقامة على طاعة ربه كما أمره الله ورسوله، وأن يتقي الله سبحانه في جميع أحواله وسكناته، وأن يري الله منه ما يحبه، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى.

وفي جميع الأزمنة ومختلف الأحوال لا سيما في زمن الابتلاءات يحتاج المسلم إلى اللجوء لربه، والاستقامة على طاعته، والاستغفار لذنبه، والإنابة لربه، لرفع البلاء عن نفسه وغيره، فإنه جل في علاه بيده كل شيء، فهو عز وجل مقدر الأقدار، ومسبب الأسباب، لحكمته البالغة في خلقه، واختباراً وامتحاناً لإيمانهم، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه قال: «يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً؟ قالَ: الأَنبياءُ ثمَّ الأَمثلُ فالأَمثلُ؛ يُبتلَى الرَّجلُ علَى حسَبِ دينِهِ، فإن كانَ في دينِهِ صلباً اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتليَ علَى قدرِ دينِهِ، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي علَى الأرضِ وما علَيهِ خطيئةٌ». [سنن الترمذي: 2398]، فبالابتلاء تمحى السيئات وتحط الخطيئات، وترفع الدرجات وتضاعف الحسنات.

ومن الأمور التي نحتاج إليها، لا سيما في زمن الابتلاء، الصبر على البلاء وعلى المصائب والأمراض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أُعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر» [متفق عليه]، وكذلك احتساب الأجر من عنده سبحانه وتعالى، وبذل الأسباب المشروعة في العلاج، وعدم الجزع والتسخّط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنْزَلَ اللَّهُ داءً إلَّا أنْزَلَ له شِفاء». [رواه البخاري].

ومما نحتاج إليه أيضاً الإكثار من الدعاء، لا سيما في الأوقات التي يرجى فيها قبوله، وخاصة حين يدخل ثلث الليل الأخير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فيَقولُ: مَن يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له، مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له». [متفق عليه]، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد، وقد حثنا الله تعالى على الدعاء ووعدنا بالإجابة فقال سبحانه: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]، وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186].

ومن الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، للحفظ من الفاجئة والبلاء بإذن الله ما رواه ابن حبان في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مَن قال حينَ يُصبِحُ: بسمِ اللهِ الَّذي لا يضُرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهو السَّميعُ العليمُ ثلاثَ مرَّاتٍ لَمْ تفجَأْه فاجئةُ بلاءٍ حتَّى يُمسيَ، وإنْ قالها حينَ يُمسي لَمْ تفجَأْه فاجئةُ بلاءٍ حتَّى يُصبِحَ». [صحيح ابن حبان]، وكان يقول عليه الصلاة والسلام عند الكرب: «اللَّهُ اللَّهُ ربِّي لا أشرِكُ بِهِ شيئاً». [صحيح أبي داود]، فاحرصوا بارك الله فيكم على الدعاء، فإن فيه دفع البلاء وصلاح الحال والمآل والعيال.

والصدقة من أعظم أسباب دفع البلاء ورفع الوباء وإن قلّت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» [صحيح الجامع]، وجاء الحث على الصدقة في نصوص كثيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبقَ دِرهمٌ مائةَ ألفِ دِرهمٍ؟ فقالَ رجلٌ: وكيفَ ذاكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: «رجلٌ لهُ مالٌ كثيرٌ، أخَذ من عُرْضِه مائةَ ألفِ درهمٍ تصدَّقَ بها، ورجُلٌ ليسَ لهُ إلَّا دِرهمانِ، فأخذَ أحدَهما فتصدَّقَ بهِ». [صحيح الترغيب]

كما أننا نحتاج، لا سيما في زمن الابتلاء، إلى التحلي بالروح الإيجابية والكلمات الطيبة التي من شأنها أن تبعث في النفوس الطمأنينة والانشراح، والابتعاد عن الروح السلبية والكلمات المحبطة، وأن ننشر قيم الخير وكل ما هو جميل، فالكلمة لها تأثيرها الجميل متى ما انتقيت ووضعت في الوقت الملائم والمكان المناسب.

والحديث عن هكذا موضوع يطول، وقد ذكرت ما تيسر لي، وعلى المرء أن يثقف نفسه في هذا الباب لأنه لا يكاد يخلو أحد من الابتلاء والامتحان، وعلى الإنسان أن ينظر إلى من هو أعظم منه بلاء مثل الأنبياء والرسل والصالحين وغيرهم من ممن يعيش معهم في الواقع، حتى يعرف ويدرك نعم الله عليه التي يعيش فيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات