قيم المواطنة الصالحة

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما أجملَ أن يكون الفرد نافعاً مثمراً محباً لمجتمعه، ناشراً الخير والفضيلة في محيطه، صانعاً بل باعثاً للأمل والتفاؤل في نفوس محبيه ومن حوله، حاملاً القيم الرصينة، والأخلاق العالية الرفيعة، يسهم في بناء وطنه وازدهاره والذود عن حماه سواءً بالكلمة الطيبة أو بالقلم الرصين أو بالنصيحة الصادقة أو بالفكرة الهادفة المبدعة أو بالعمل الدؤوب.

والمواطنة الصالحة هي ممارسة سلوكيات واجبة على كافة أطياف المجتمع من أجل أن يبقى علم الدولة رمزاً لقوة الاتحاد، ومعياراً للثوابت الوطنية في دولة الإمارات.

ومن مقتضيات المواطنة الصالحة وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتقديمها على المصالح الشخصية الضيقة.. قال والدنا المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه: «إن مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار، ويجب أن تسبق في الأولوية والاهتمام والغاية أية مصلحة أخرى، وذلك مواصلة للمسيرة الاتحادية للدولة، وتحقيقاً للمزيد من الإنجازات والخدمات، في سبيل توطيد أركان دولة الاتحاد، وتحقيق رفاهية المجتمع وتقدمه».

ومن المواطنة الصالحة تعزيز محبة الوطن في نفوس أفراد المجتمع، لا سيما الشباب والأبناء والنشء، ومحبة الوطن طبيعة جَبَل الله النفوس عليها، وهي أمر فطري غريزي، قال تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم : آية 30].

ومن الفطرة السليمة أن يسعى الإنسان إلى رفع شأن وطنه وتنميته وازدهاره، لأن الفطرة ارتبطت به، فهو الذي تربى فيه ونشأ وترعرع بين أحضانه، وأكل وشرب من خيراته، وعاش في أكنافه.

وكذلك من قيم المواطنة الصالحة غرس الثوابت والقيم الجميلة الناصعة التي وضع مرتكزاتها زايد الخير وإخوانه حكام الإمارات المؤسسون، طيب الله ثراهم، منذ قيام الاتحاد، وسارت عليها قيادتنا الحكيمة، كالاعتدال والوسطية والتعايش والتسامح واحترام الآخرين والإيجابية والابتكار والإبداع وحسن الخلق والعمل التطوعي، وغيرها من القيم، حتى أصبحت دولة الإمارات منارةً للخير، وبات صدى سمعتها الطيبة في جميع العالم بشرقه وغربه، حتى أصبح الفرد الإماراتي لا يُذكر إلا بخير، وأينما وجد يتم الترحيب به واستقباله بحفاوة ومودة، وهنا يقع على عاتق كل إماراتي المحافظة على هذه السمعة الطيبة، فهو مسؤول عنها وعن المحافظ عليها، وأن يكون خير سفير لدينه ووطنه أينما حل وارتحل.

ونستذكر هنا مقولة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله:‏ "نحن كلنا مسؤولون عن صنع وخلق سمعة طيبة لهذا البلد، لأن كلكم راعٍ على سمعة هذه البلاد".  
ومن المواطنة الصالحة كذلك تطبيق كافة اللوائح والقوانين التي وضعت من قبل الجهات المعنية والمختصة في الدولة، والتي تهدف إلى سلامة الفرد والمجتمع، وحث من يعيش حولنا على تطبيقها والالتزام بها وعدم مخالفتها، لا سيما في مثل هذا الوقت الذي تفشى فيه وباء كورونا، ويتطلب من الجميع التحلي بالمواطنة الصالحة، بل تتأكد من خلال تطبيق الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية لسلامة الفرد والمجتمع وكل من يعيش حولنا، فإن المسؤولية مشتركة ويجب استشعارها من الجميع لتحقيق الصحة العامة.  

وقيم المواطنة الصالحة تستلزم من الأسرة أن تربي الأبناء تربية صالحة، حتى يكونوا أفراداً صالحين في مجتمعهم، نافعين لدينهم ووطنهم، ويكون ذلك بتكاتف الجهود بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والمعلم، لغرس حب الوطن والانتماء له والاعتزاز به وبتاريخه والمحافظة على ثرواته ومكتسباته وقيمه وثوابته في نفوس الأبناء، وتربيتهم على العمل بإخلاص بجد واجتهاد من أجل رفعته وازدهاره.

وتستلزم المواطنة الصالحة من الفرد أن يستشعر مسؤوليته تجاه وطنه من خلال محافظته على نفسه، من كل ما يضره سواءً كان مادياً أم معنوياً، وكذلك أن يحافظ على صحته ووقته وجهده وطاقته، وأن يوجهها في الخير وخدمة وطنه، وأن يحافظ على عقله من أن يتشرب الأفكار المسمومة، فإنها أشد فتكاً من كل الأضرار، وأن يكون معول بناء لا هدم، وأن يكون شريكاً في المحافظة على أمن وطنه، وأن يسخر إمكاناته التي يملكها في خدمته، فالعالم بعلمه، والكاتب بقلمه، والغني بماله، وهكذا.

إن الحديث عن الوطن حديث ذو شجون، وبحر لا ساحل له، كيف لا ونبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، حزن أشد الحزن عندما أخرجه قومه من بلده، وقال وهو يغادرها: "ما أطيبَكِ من بلدٍ وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني منكِ ما سَكَنتُ غيرَكِ" [سنن الترمذي: 5/723].

فالوطن بحاجة إلى المواطن الصالح الذي يعرف قيمته، ويسهم في علو مكانته بين الأوطان، ويسعى في بنائه وازدهاره، ويسخر إمكاناته لخدمته، ودفع الضرر عنه، والمحافظة على أمنه واستقراره وسمعته الطيبة، والمواطنة الصالحة انتماء وموالاة تنعكس في سمات التضحية وتترجمها إلى معاني الوفاء والإخلاص.

طباعة Email