وظيفة المستقبل

في أول عام دراسي لي في الجامعة كنت أدرس تخصص المحاسبة، نزولاً على رغبة والدي الذي يعتبر المحاسبة أفضل تخصص يمكن للشاب دراسته لبناء مستقبل مزدهر، وهذه المشكلة قد يواجهها العديد من الشباب في مقتبل العمر، وأساسها فرض تخصص دراسي معيّن من قِبل الأسرة، ورسم طريق حياة لمستقبلهم دون الرجوع لقراراتهم، لكنني تخلصت من هذه المشكلة عن طريق تجربة المجال الذي كان مطروحاً عليّ، وعند فشلي منذ أول فصل دراسي، أخبرت والدي برغبتي في تغيير المجال.

بالطبع كان صعباً عليه تقبل الأمر، لكنه لم يرد أن ألقي عليه اللوم في المستقبل إذا فشلت في حياتي المهنية.

عودة للموضوع الرئيس.. لقد حضرت مؤخراً محاضرة في أحد المراكز المعروفة بالمحاضرات العالمية، والتي تستضيف أبرز المؤثرين والرائدين في مجالات مختلفة، كانت المحاضرة تتحدث عن الوظائف التي سوف تُستحدث مستقبلاً في ظل تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتي قربت على الانقراض، وشدني حديث المحاضر عن الوظائف التي سوف تختفي خلال عشرين عاماً من الآن، وذكر أن إحدى هذه الوظائف هي المحاسبة!

لقد كانت صدمة بالنسبة لي في بداية الأمر، وكنت أنتظر اللحظة التي أقابل فيها والدي لإخباره بذلك. فعلاً، فور عودتي من المحاضرة، أخبرت والدي عن محتوى المحاضرة، وأذهلني رده عندما قال بأنه كانت هناك دراسات قبل 40 عاماً تقول إن المحاسبة سوف تختفي، وإن الكثير من التغييرات سوف تطرأ على العديد من التخصصات، وفي الواقع أن مفهوم الذكاء الاصطناعي تغيّر وما زالت هذه التخصصات موجودة بالرغم من ادعاء دقة كل الدراسات القديمة.

وأغلب الأشياء التي يستصغرها الناس ويقللون من قيمتها بطريقة ما، تكون ذات أهمية كبيرة في المستقبل. على سبيل المثال، الفنان العالمي المشهور (بابلو بيكاسو)، الذي أثر على الكثيرين حول العالم، كان ينعت أجهزة الحاسب الآلي في عصره بأنها أجهزة لا فائدة لها على الناس.

وفي الوجه الآخر يمكننا أن نرى أهمية الأجهزة الإلكترونية اليوم، وأن أغلب البيوت لا تخلو من جهاز الحاسب الآلي!

في النهاية كل شخص منا لديه حياة يقيس عليها تجاربه ومهاراته ويختار حياته المهنية بما يتناسب معه، بعيداً عن سوق العمل والدراسات التي ربما تكون غير متطابقة مع الحياة الواقعية، فالإبداع ليس له حدود، وتطوير مجال معيّن قد يغيّر نظرة سوق العمل له.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات