حكايتي مع «كوشتيه» الحلاق

ت + ت - الحجم الطبيعي

بقاء الشخص جالساً في بيته لفترات طويلة يهدد صحته النفسية.

فلا بد من الانشغال بأشياء تنقله إلى ما هو خارج إطار الأجواء الأسرية، وخصوصاً إذا كان من النوع «البيتوتي»، بحيث يستغل وقته، مثلي، في أن يذهب إلى الصالون، لكسر الروتين وسماع أحاديث الحلاق «كوشتيه»، وتخرج من وكره «بلوك جديد» ترفع فيه من معنوياتك، وتفاجأ زوجتك المسكينة «بصنعتك الجديدة».

من حسن حظي ذلك، أمس، أن الصالون كان يفتقر إلى زبائنه، فأيقنت أن «كوشتيه» سيبدع. «كيف ترتيب مدير»، كلمه ألقاها «كوشتيه» وحسر بعدها عن ساعديه، وأنا من جهتي أعطيته حق التصرف. فقام «بتجهيز العدة، ولف علي لفافته السوداء، وبدأ التدليك من أعلى الرأس وصولاً لعضلات الكتف».

وبعدها استعرض فنياته في «التايكواندو». يتنطط ويصفق بيديه تارة، و«يهرس» فروتي وعضلات رقبتي تارة أخرى. «كأنه يتسمن ماعز». ولأنه وثقني تماماً على كرسيه، طأطأت رأسي وسلمت أمري لله، لتنطلق يدي «كوشتيه» الماهرتين وهو يحمل في يمناه المقص والمشط في شماله.. وعيناه على التلفاز يشاهد الراقصة «ماليكا أرورا»، ويدندن بالغناء وبطنه يهتز متأثراً بنغماتها.

فالشفرة الحادة فوق رقبتي ترتجف، وتصعد روحي إلى حلقومي من الذعر. قام بتنتيفي من شعرات رأسي، وترك لي القليل في المقدمة لزوم «التفشخر». بعدها قام بإبادة لحيتي وشاربي، دون رحمة. تلك اللحية التي لطالما تغزلت بها زوجتي وأبنائي ووصفوني فيها بالوقار.

وتناول علبة الأصباغ، وأغدق عليّ بالكريمات ودهان «التاتا»، الذي تفوح منه رائحه النارجيل، كأني عريس في ليلة دخلته. انتهى «كوشتيه»، وضرب برجله الكرسي «لأفتر» بعدها بزاوية تسعين درجة نحو المرآة، وقال «نعيماً أرباب».

وما أن فتحت عيني من الدوار الذي أصابني، لأرى في وجهي سوى «سكسوكة وسالفين» دهنوا بالسواد الذي كاد أن يبتلعني. نفض الصدرية وقال الحساب «ثلاسين». عدت إلى منزلي لأرى أبنائي وزوجتي، شاخصة أبصارهم عند رؤيتي، وابني ينادي بأعلى صوته «غاق.. غاق»، واستوعبت متأخراً أن ابن الذين.. قد شبهني بالغراب.

 

 
طباعة Email