صراط الحنين

أَما زالت تشغلنا تلك التفاصيل الصغيرة، وتفيض على ضفاف أرواحنا ذكرياتنا التليدة..؟ طقوس تلك اللغة التي تَدلُف الروح لتتنفس بين أضلاعنا..، أَما زلنا نفهمها..؟ أم هي مباغتة مبهمة..؟

ضفاف ذلك الحنين الذي سافرت منه صواري البوح خلف غياهب السنين، يجعل السؤال يَشْرَئِبُ إلى داخلي دوماً..، أهو صراط يربط الأُفول والاتقاد..، الصمود والاستسلام، لنسير عليه نحو لا مكان..؟، أم هي الأوطان الكامنة في دواخلنا، والتي نحن إليها..؟

تغمض عينيك لتتسلل إلى روحك تلك الرؤى التي استسلمت للأرق..، فتغدو الذكريات كنبع شفاء في داخلك..، يندفع من كل زاوية من زوايا روحك، مستدعياً الحاجة لاحتواء..، كلقاء الموج بالساحل، ككل تلك الأشياء اللطيفة التي تتعانق بفعل الحنين..، كفعل غريزي بحت..، هكذا تستحوذ «النستولوجيا» على لحظاتنا اليوم..، ونحن نكبر ونسابق الأيام، ولكن يبقى جزء منا عالقاً في الماضي..، يأبى أن يعود إلينا..!

أترى.. أَنهوى أن نكون عالقين بين أصفاد الأزمنة تلك..، أم هي قِبلة نهرب إليها لنصلي طويلاً في محراب الحنين..، صلاة أبدية..؟!

الكتابة والعزف الوجداني جعلاني أعيش بين ضفاف زمنين..، زمن ماضٍ أفتقد فيه رائحة العبث والجنون والانسلاخ اللامتناهي بين ضفاف الكتب، وبين الحاضر الذي أصنع فيه ما سأهوى أن أتذكره بعد أن أعبر هذه السنين، وأتركها كبواعث على الأمل، أو أحلام أُؤثث بها مجاهيل الأزمنة القادمة، نحمل تلك القِربَة المثقوبة معنا أينما حللنا وارتحلنا، لتترك في كل مرحلة أثراً لنتذكره، ورغم أننا نَقْطُن اليوم عوالم رقمية تسودها العزلة والفردية، وتغشاها الغابات الإسمنتية، ويحجب أفقها العمل المتواتر والضياع وسط صخب السكون، إلا أن أشباح النسيان لم تسكن ذكرياتنا الأثيرة، فبقيت كأيقونة مصلوبة على وميض الأمس، نهرول إليها ونَنْدسُ بأحضانها ونشكو خيبات أيامنا هذه..! إننا لسنا عالقين.. إننا فقط مدمنون على أفيون الحياة: «الذكريات»..!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات