جوهاتسو..!

قبل كل شيء، وكما جرت العادة، وجب التنويه أن عمودي ليس محطة صعود لرحلة مشبوهة، وعلى الرغم من أن القادم لا يصدق أبداً، إلا أنه لا بد أن نردد هذا الدعاء معاً قبل أن نخوض في هذا الغِمار: «اللهم هوّن علينا مقالنا واطوِ عنا بعده، اللهم أني أعوذ به من وعثاء الكتابة، وسوء المنقلب في الفقرات القادمة».

بدأت الحكاية من «جوهاتسو»، نعم، جوهاتسو وهي كلمة يابانية بمعنى التبخر، وهو مبدأ جديد، قامت عليه شركات خاصة في اليابان، لدعم الأشخاص الذين يقررون التخلي عن حياتهم وبدء حياة أخرى، ومساعدتهم في الانتقال لمسكن مجهول وهوية جديدة، وربما زوجة وأبناء جُدد، وحتى أصدقاء، نعم الأمر بهذه البساطة، وبمنتهى السرية، وضعوا تحت «سرية» ألف خط، والتنقل من مكان لمكان، وكأنك تلبس «طاقية» الإخفاء، دون أن يعرفك أحد، الأمر الذي شهد ارتفاع نسبة المفقودين، وانتشار صورهم في كل مكان، وانتعاش جيوب المحققين الخاصين للبحث عن هؤلاء، وهم «فص ملح وذاب».. يغيبون لسنوات وربما لعقود، بلا أثر..!

فالفكرة أن تترك منزلك خاوياً، تتبخر فحسب، تاركاً ديونك، وهواتفك المشحونة بأرقام العمل والزوجة والأهل والأصدقاء، خزائنك الممتلئة بالذكريات، وفي ليلة ظلماء، تقوم هذه الشركات اليابانية المختصة بنقل حياتك إلى مكان آخر، حياة تبدأ فيها من الصفر، تسافر في دهاليز نفسك بدون ماضٍ مزر، أو خوف من مستقبل مرتقب، تعود كما ولدتك أمك، وتبعاً للدراسات التي قامت بها هذه الشركات، فإن نسبة الانتحار في اليابان قد انخفضت بشكل ملحوظ.. طالما أن هذه الشركات توفر لك فرصة ميلاد جديد..!

وأنا أقرأ عن هذه الخدمات، ساقني الفضول للتعمق فيها أكثر، واستمعت لحوارات أجرتها إذاعة البي بي سي مع أهالي المفقودين وشركات الجنون تلك، فتساءلت، إذا تبخرت هويتنا.. فهل تتبخر آلامنا، ألا تبقى تلازمنا أحلام العودة لأنا، وهل تسد رمقنا الهويات المصطنعة؟

في حياتنا اليوم كم قناعاً نلبس، كم حياةً نعيشها لنهرب من واقع مأزوم أو حالة نفسية عاتية؟.. ورغم أن هذه الأقنعة تنهار واحداً تلو الآخر، إلا أن الحياة تستحق كل هذه المجازفة والمحاولة، أن تكون أنت بكامل هويتك وعيوبك ومميزاتك، أن تكون أنت بأحلامك البسيطة أو تلك العظيمة، أن تكون أنت بِبُرجك العاجي، أو بيتك المتواضع، فلا أعتى على النفس من الهروب من جحيم المجهول إلى ما هو أقسى بأس!

عزيزي القارئ..

إذا لم تكن حياتك وذكرياتك وآمالك سبباً مقنعاً لتحارب الألم والضغوطات، فلا تنتظر أن تقلب الصفحة «ووشّك» على أول رحلة لليابان..!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات