زحام الأرواح..

متسمرة أمام الشاشة أراقبهم بصمت، أفتش عنه بين ملايين الوجوه، أبحث بذهول، لأملي أن أراه يُلوح بينهم، كانت تلك طقوس يوم عرفة في طفولتي، بيتنا كان صاخباً بتكبيرات ذي الحجة وبخطبة يوم عرفة الأثيرة، كباقي بيوت «الفريج»، في أسرة ربها روحه معلقة بالبيت العتيق، كان في سفر دؤوب إلى الله، وكان الشوق لمحياه كل عيد أضحى يزداد، لرائحة العود العابقة من ثوبه، كان عيد الأضحى مختلفاً، كان استثنائياً، حين كانت تمضي أيامه ليعود أبي، محملة ذاكرته بالأحداث والذكريات، التي بقي يرويها لسنوات، ولم تغادر قلبه المشتاق يوماً.

كان الاستقبال مختلفاً، كان الحب والاشتياق من يروي كل شيء، مازلت أذكر هدايا أبي لي ولإخوتي، هديتي التي كانت تصدح بالتكبيرات، كان أبي يحمل لنا روح المكان، كنت أجلس أمام حقيبته العابقة وبجانبها ماء زمزم الذي كان يروي فِيَّ كل شيء، إلا شوقي لمكة الذي كان يزداد ظمأ في كل مرة، مازلت أستحضر وجه أبي الباسم الجميل الذي كان يروي بحب رحلة القرب إلى الله على جبل عرفة، والإحساس الجميل بالإنابة تحت خيام مِنى المتواضعة آنذاك، وازدحام الحجيج في رمي الجمرات، كان يضحك ماسحاً من على جبينه تعب الأسفار.

مرت السنوات، وأبي أمام التلفاز يشاهد الحجيج، روحه هناك، وجسده بيننا هذه المرة.. حتى رحل وبقيت كل حكاياته عالقة في تلابيب ذاكرتي التي لن يفارقها أبداً.

"كورونا" اليوم أحكم قبضته على رغباتنا في أداء فريضة الحج هذا العام، بقيت في داخل كثير منا آمال محمومة بزيارة البيت العتيق، ولكن.. اليوم نصبر لأن أعيادنا ستعود كسابق عهدها، لأننا سنكون على صعيد عرفة العام القادم، أننا سنطوف بالبيت العتيق، وأن الأزمة ستمضي وسنكون بخير.. وأن شغف أبي سيكبر داخلي.. لأزاحم روحه على السعي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات