451 فهرنهايت

هل تخيلت يوماً أنك ستصبح في عداد المجرمين المطلوبين، لو امتلكت كتاباً؟

نعم، فالكتب حطب الخلاص الأبدي، تخيل أن يتم وضعك تحت مجهر، يتفحص حيثيات يومك، لكيلا تُهَرب الكتب إليك، وليس هذا فحسب، إنما يتجلى السيناريو الأكثر رعباً أن تصبح مهمة رجل الإطفاء هي إحراق الكتب بحرارة 451 فهرنهايت، لكي يتناثر رماد النور والمعرفة على صراط جهنم، التي كنفتها دفتي رواية «فهرنهايت 451» للكاتب الأمريكي راي برادبوري.

فهرنهايت 451، تروي قصة مجتمع يسعى نحو دماره إرادياً، حين تصبح القراءة والمعرفة فيه جنحة كبيرة، حيث يحاول مونتاغ- وهو بطل الرواية- مواجهة زوجته وأصدقائه بحوار عقلاني، فيحاول إطفاء التلفاز وحثهم على التفكير، فيغضبون ويرتبكون. عند ذلك يدرك مونتاغ أن مساعيه لا تفضي لشيء؛ لأنهم يعيشون في فقاعة.

بعد قراءتي للراوية، أصبحت على يقين أن هناك سبب يجعل أدب الخيال العلمي الكابوسي مقاوماً للزمن، وهو أن الناس ينظرون إلى المستقبل بارتياب كلما تسارعت عقارب الوقت، كما أن التغير في النظم السياسية المتنامي على مر السنوات، يجعل أدب كلاسيكيات «المدينة الفاسدة» قِبلة للتأويلات وفهم الواقع، ومنها رواية «فهرنهايت 451»، التي ما زال تأثيرها وتداعيات أفكارها حاضرة لتفسر بشكل جَلي ما نعاصره من أحداث، وقد يتفاجأ البعض بأن الرواية، التي تمت كتابتها قبل أكثر من 6 عقود، يزيدها مرور الوقت شباباً، ما يعني أن بذور هذه الرواية موجودة بالفعل، تتناسل عبر الأزمنة بشكل مريب، وهي نظرة لا يعني بالضرورة أنها ستتحقق، ولكن الفكرة المخيفة التي تحملها الرواية، تحليل موجز لإمكانية انهيار مجتمعاتنا دون إطلاق رصاصة واحدة..

في الوقت الذي يعيش به البعض في صوامع محصنة ضد المعرفة، هل نمضي نحو العتمة ونحترق ونعاود إدمان الفناء في مواكب النور، دون رأب صدع ذواتنا؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات