نعمة الحزن..!

غريب وقع هذه الأيام علينا، فمِنجلُ الموت لا يتوقف عن الحصاد، أجساد تحاصرها الأقدار، لنتشظى من الداخل، محاولين عبثاً أن نعود كما كنا، فالحزن في زمن «كورونا»، ليس ككل الأحزان!

كم هو قاسٍ حقاً أن نفقد نعمة الحزن الطبيعي في زمن «كورونا»، الحزن الذي كنا نداريه بالتلاحم والتكاتف، ذلك الحزن الذي يعرفنا جيداً ونعرفه، نألفه ويألفنا، ذلك الحزن الذي تضيق به نفوسنا، وتتسع به قلوبنا بالصبر، نفقد عزيزاً، فنحرك الخطى تشييعاً، ونسرد تراتيل الدعاء على قبره، رافعين أكف الضراعة بخالص الدعاء، متلاحمين بصبر، مُواسين بحب، كم أصبحت أحزاننا غريبة، أحزانٌ عالقة على أسلاك الهاتف، بنبرات مكلومة، أو مرثية على وسائل التواصل الاجتماعي، وعبرة حرى، وآلام تفتقد يداً تربت وحديثاً يؤنس، أحزان «متباعدة»، أحزان لم نألفها من قبل.

نشرات الأخبار تعلن كل ساعة أعداد الوفيات بالمئات والآلاف على مستوى العالم، بلا أسماء، وبلا مشيعين، أرقام فحسب، وجثث تبحث عمّن يُسكنها التراب، بعيداً عن الأحبّة، إلا قليلاً منهم، كالغرباء يرحلون، سواء بسبب «كورونا» أو بغيره من الأمراض، ونحن بأصفاد الواقع الراهن مكبلين، صوناً للصحة، وامتثالاً للقوانين، فـ «كورونا» لا يكف عن التربص، ورغم القيود، نضيء بصمت في قلوبنا سُرادِق العزاء، وندعو بصمت للراحلين في هذا الوقت الصعب، لكل تلك القلوب الطاهرة التي لم نستطع وداعها، لكل النظرات الحانية، والحوارات الدافئة التي ستبقى في الذاكرة، للأرقام التي سنفتقد التواصل مع أصحابها.

«كورونا» اليوم، يعلمنا دروساً جديدة، لِنعمٍ لم ندركها، افتقدنا الكثير منها في ظل ظروفنا الراهنة، وعندما حل الفقد ثقيلاً، مثلنا بذهول وصمت أمام أتراحنا، لم نبرح الأمكنة، لكن الدعاء لم يبرح ألسنتنا.. آملين أن نعبر هذه الأزمة بلا ألم جديد، راجين الجنة ونعيمها لكل الأحبّة الراحلين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات