في الفقد..!

«المساء يتنزه في المصابيح المطفأة، يتكئ على مِِنْسَأة الوهن بيدين مرتعشتين، براثن الحنين تنهش روحي، (....) والذكريات تجدف بقارب خشبي على السواحل الناعسة، قارب مُثْقَل بالنعوش، وأطياف العابرين تتدافع زمراً وفرادى، يُحشرون في قيامة الليل، ليرقدون في أجداثهم.. بهدوء..»

لم أكن أعلم أن تلك الكلمات، التي كتبتها منذ عشرة أعوام وأنا على مقاعد الدراسة، ستكون حاضرة بذهني، وأنا أودع أبي الغالي الوداع الأخير، لم أكن أعلم أن مداد قلمي كان يكتبني وقتها ويؤرخ ألمي مبكراً!

هكذا.. يقطف الفراق من أغصان قلوبنا أفراح العمر، وقوت الذكريات، يتخبط بين أروقة الروح، غير مبالٍ بنا، بأعمارنا، وبشهقاتنا المخنوقة للأبد، يربت على جبين مريض..، ويجاري نبض مكلوم يئس منه الطبيب، أو ينتظر على قارعة الطريق ليسرق شباباً في مقتبل العمر، فالفراق قنبلة موقوتة على صراط العمر..!

ورغم كل ما نمر به من تجارب فقد مؤلمة في حياتنا، يبقى للأمل بصيص ضوء، يشرق كشمس خلف المدى، ففقد أبي علمني أن أواصل التسلح بالعلم، أن أكون كما كان يريد أن أكون، وأن أستحضر نظراته ودفئه في كل لحظة إنجاز جديد بحياتي، علمني فقده أنني أمام تحدٍ جديد، أن أتعلم كيف أعيش مع الحزن، أن أواجه الفشل والإخفاقات، علمني فقده أن أبوح له بما حققته في حياتي، أن أمكث على نعيم قبره أرتل الدعاء والحنين المر..، علمني فقده أن أصل إلى السلام الداخلي وأن أواجه النور وألا أطارد الظلمة، علمني فقده ألا أستسلم، وأن أخلق بنفسي شعور الفخر لأنني لم أتنازل عن حلمي يوماً.

الفقد ركب لا يعرف التعب أو السهاد، يمضي بلا هوادة، لذا اغمروا أحبتكم بسخاء الحب، أمطروهم بالاهتمام.. كونوا معهم دائماً.. قبل أن تفرقنا الطرق..!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات