المهووسون بمتلازمة ستوكهولم

شغلتني محاولة فهم الآلية الذهنية المتعلقة بمفاهيم الهوس والتبعية، التي تأسر عقولنا بأصفاد وهمية، فقط لنتجنب «النقر على الرؤوس»، خوفاً من الخروج عن القطيع، وخسارة الطموح الاجتماعي، والكسب المادي..!

التاريخ هنا يفسر الموضوع على مضض، ومتلازمة ستوكهولم تشرئِب بتناقضاتها لتحل المسألة، فكثير منا يعرف تلك الحالة النفسية التي تنشأ عن رابطة بين شخصين، أحدهما يعتدي على الآخر بالمضايقة أو الترهيب، وعلى الرغم من ذلك تنشأ بينهما رابطة بمستوى عالٍ من الولاء، حتى يصل الضحية إلى درجة الدفاع عن الجاني والتضامن معه.

وهكذا تطحنه أعراض تلك المتلازمة بين رحاها، فيقوم لاإرادياً باختلاق آلية للدفاع عن نفسه، من خلال الاطمئنان للجاني والتعامل معه على أنه «أبو العُريف» الذي يفهم قواعد اللعبة، ويسمح له أن يتطاول عليه بل.. يمطره بالشتائم إن لزم الأمر، و تقبُّلِها على أنها مزاح غير ضار!..

عايشت كثيراً من الموظفين المُخدرين والمهووسين بهذا الشكل الجديد من كبح الذات، يقدسون العمل ويرزحون تحت وطأة خيبة الأمل، على حساب صحتهم النفسية والعاطفية، وبالمقابل يدفعون بنيران غضبهم كسجّيل في البيت وفي نطاقاتهم الاجتماعية!

وبنفس الديناميكية، يتلقى الموظف بعض المعاملة الحسنة من حين لآخر من نفس «رب العمل» - الذي يسيء إليه-، وهو ما يجعله أكثر إدماناً على لعب دور الضحية والجلاد، لإيمانهم أن الاستبداد شكل جديد من الإنجاز في العمل.

مستنقعات العمل التي تسيطر عليها تلك الثقافة ترهب باستمرار موظفيها بعواقب عدم الامتثال للتوجيهات والأوامر، والموظف الذي يستسلم للغرق في الوحل، يجد نفسه في النهاية شخصاً مسلوب الإرادة يدور في حلقة مفرغة لا يستطيع الخلاص منها.

بيئة العمل المنفتحة هي الفردوس المفقود في بعض مؤسساتنا.. وهي الخلاص الأبدي من الشكل الحديث لمتلازمة ستوكهولم!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات