الترجمة والتحول

بلا شك أن معرفة الآخر نوع من أنواع معرفة النفس، وإلا سنكون دائماً في حالة سفر مع الذات وأنانية الذات وأثره.. ولعل قراءة ما لدى الآخر بعد ترجمته تساعد على السفر من خلال النص والتحول الفكري بعد ثبات، أو حتى وضع فكرة جديدة عنا وعن عصرنا بعد الاطلاع والقراءة على ضفاف الآخر، وعلّنا نبدأ الترجمة النهضوية من جديد بعد قرون من الركود العلمي تحديداً، فقبل قرون في الأندلس الإسبانية حين كانت إسلامية، حصل التلميذ الإيطالي المسيحي الكاثوليكي «جيرار دي كريمونا» على مقعد دراسي في مدرسة طليطلة للترجمة لدراسة اللغة العربية، وكانت فرصة اطلع في مكتبتها على كتب عديدة لعلماء الفكر من الغرب والشرق، وقد قرأها جميعاً مبسطة وباللغة العربية، ليترجمها إلى اللاتينية بعد نسخها وعودته إلى بلاده، لتشرق على أوروبا فيما بعد وتغير مفاهيمها وتدخل النهضة من خلال إيطاليا.

من تلك الكتب المترجمة التي حولت الثوابت في أوروبا هو كتاب الفلكي (جابر بن أفلح) الذي أثبت فيه أن كوكبي عطارد والزهرة أقرب إلى الأرض منهما إلى الشمس، وذلك من خلال آلة خاصة، بالإضافة إلى ترجمته كتاب (أبو القاسم خلف الزهراوي) المشهور لدى الأوروبيين إلى اليوم باسم «ألبوكاسس» أي أبو القاسم، وما زالوا يستعملون أدواته الجراحية وعلومه التي أخذتهم نحو التجريب والتطوير فيما بعد، مروراً بترجمته أعمال الفيزيائي (ابن الهيثم) مخترع القمرة المعروفة الآن بالكاميرا، ونقل علومه وكل نظرياته حول الضوء وانكساره من كتابه المناظر، والمعروف أن ابن الهيثم أكمل نظريات ناقصة لأرسطو وأفلاطون وإقليدس، وهذا أمر طبيعي أن تكمل البشرية علوم بعضها كلما سنحت لهم الزمن وسياسات بلدانهم، هذا بالإضافة إلى ترجمته كتاب «الرسائل السبعين» للكيميائي (جابر بن حيان) الشهير في توليده مواد جديدة وطلاء ضد الصدأ وبلل الملابس واختراعه الحبر المضيء للكتابة في ظلمة الليل.

لكننا نتساءل اليوم ماذا ترجمنا يا ترى نحن العرب من كتب علمية وفيزيائية وكيميائية حديثة؟ فهل نعرف شيئاً عن الفيزيائيين الثلاثة الذين فازوا مؤخراً بجائزة نوبل؟ وماذا فعلوا بالتحديد لجني الجائزة؟ وكذلك علماء الطب والبيولوجيا؟ وحتى من سبقوهم طوال قرن، هل قمنا بترجمة علومهم كما نقوم بترجمة أعمال الفائز بنوبل للأدب؟ وهل مراكزنا الكبرى التي أسسناها للترجمة هي فقط لكتب الجغرافيا والرحالة والرواية؟ أم سنعدد كل حين بأننا كنا أعظم وهم من أخذوا منا؟

لقد كثر المترجمون وترجمة الروايات الطويلة والقصائد الهزيلة ولم يخرج لنا حتى اليوم مترجم مثل جيرار دي كريمونا الذي تقدمت بفضله دول، خاصة أننا اليوم نعيش انفتاحاً تكنولوجياً على العالم بأكمله، وليس لنا سوى ترجمة العلوم، إن اتخذناها مشروعاً نهضوياً كبيراً من أجل إيجاد العقل العلمي وإعماله قبل زواله.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات