بن سوقات «مول»

تكثر «المولات» الصغيرة في دبي، بل وحتى الصغيرة جداً، تلك المتوارية في كل منطقة سكنية، حتى أصبح من المحال اليوم ألا نجد هذه الأسواق الخدمية والمكيفة مختبئة هنا أو هناك، نجدها حتى في الدروب الضيقة تقدم خدماتها بدل المحلات المكشوفة على الشمس، والشاهد أن مراكز التسوق الصغيرة هذه قد غيرت كثيراً مفاهيمنا وواقعنا الاجتماعي والثقافي، لما فيها من جديد وأبعاد مختلفة، بدءاً من الدلال، إلى فضاء التعبير، مروراً بلقاء أبناء المنطقة الواحدة في موعد أو صدفة...

لكن الواقع أن مول «بن سوقات» في منطقة الراشدية مختلف نوعاً ما عن غيره، بالطبع من حيث الشكل فشأنه شأن المولات الأخرى في طوله أو حجمه ومن حيث البناء والمعمار، لكنه من حيث الجو الداخلي، فلا يخلو من مقابلات أفراد شكلوا هوية هذا المول بعد حس التغريب الواضح في بقية المولات، وأعني بأي حال هنا المرتادين من الآباء الأوائل في دبي وكذلك الإعلاميين والصحفيين الأوائل، والمثقفين والضباط المتقاعدين والتربويين والمعلمين..

لذا يختلف «بن سوقات» في خصوصيته، لأنه أصبح موطناً لشخصيات إماراتية كانت مسؤولة في الدولة في زمن مضى، ومن أصحاب المراكز المعروفة، فبعض الوجوه كانت براقة في صحف الثمانينيات والتسعينيات، يلتقون الآن وبشكل دوري صباحاً ومساءً في مقاهيها المتقاربة، وفي ذلك الحيز الصغير والممر الطويل بسقفه الزجاجي المعشق، حيث لا يخلو الممر من تجمع هذه الشخصيات، من أجل لقاء ودي ونقاش أو حوار لتتواجه وتتواصل، أو لسماع الأخبار المحلية، أو تحليل الخطابات الدولية، أو حتى التخطيط بينهم في تجارة أو مصلحة كمجموعات لا زالت تضج بالحيوية والصحة والثقة بين بعضها البعض.

الجميل أن حمد بن سوقات صاحب المول يشارك هؤلاء جلساتهم ويتجول في ممره الطويل ذهاباً وإياباً قبل وبعد الصعود إلى مكتبه بالطابق العلوي، وحتى في مجلسه الرسمي خلف المول، على الرغم من غيابه أخيَراً، فلم تعد صحته كما يجب، إلا أن الزوار في تلاق مستمر، وحنين يأتي بهم من أجل صدفة اللقاء في مول مُحرك لتجربة حياتية هادئة، ومواضيع حية خاصة بشخصياتها المرتادة، نذكر منهم مثالاً الدكتور محمد الهاشمي المتبحر بالفكر الميثولوجي والموسوعي في المفردات التاريخية، الذي لا يخلو الاجتماع به من إفادة، إلى مواطنين كبار كانوا شعراء يوماً لم يلقوا حظاً أو رواجاً لقصائدهم، لكنهم يحفظون من المرجعيات الشعرية الرصينة الكثير، مع تأملات في الثقافة الإنسانية والآداب الكلاسيكية، كل ذلك وهم في هذه المساحة الصغيرة بنوافيرها ومخبز التحلية ومكتبة ومحلات بخدمات يومية.. والأهم تجمع لمجتمع إماراتي لا يشعر بالغربة بعد أن اتخذوا من «بن سوقات» ملتقىً وهوية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات