بين الشَنْدَغَة و«السِّيف»

يختلف ترميم المباني القديمة في شارع السيف عن حيّ الشندغة، في اللون والأسلوب والطريقة، وكلاهما صناعة رغم اختلاف تحسين البناء بين الترميم الكلي والتجديد، وبين التأثير والقيمة المضافة لهذه الجدران التاريخية المطلة على الخور العتيق ونحن نتأمل أثناء المشي ما قامت به شركة (مراس) وبلدية دبي، نلاحظ مدى الحساسية الشديدة في المقاربة العلاجية رغم التباعد الشكلي بينهما.

تحسين المباني التاريخية بحاجة إلى علم وهمة عالية وحرص وفن، وفلسفة مبنية على تفسير المكان وتعليله، من أجل عودة هذا الهيكل بسقفه وسطحه وطوابقه السفلية وحتى رائحة الزمن فيه.

الشركات المرممة تحاول من تمكين المباني القديمة لتواجه الأمطار الحمضية والرطوبة وتلوث الهواء وأخيراً حرارة الشمس وهي الضريبة الكبرى لعمرها، وفكرة استعادة التراث المعماري من خلال هذا الطين ومكافحة إحياء ما تبقى... كل هذا الكفاح من أجل استعادة ذاكرة المكان الدفينة في صور ومشاهدتها في تلك الألوان التاريخية المطلية وطبقات الدهان المسموح بها ورسمها بدقة لتمكننا على حفظ بقاياها في الذهن ومقاومة السهو.

من الجميل صناعة الأوطان لكن الأجمل صياغتها، فلا يصاغ الوطن مهما كان جديداً أو متجدداً إلا بترميم الماضي، وهذا ما يحدثه الشعور بالاختلاف لمن يجلس بين شارع السيف (كسرة وشدة على السين)، وحيّ الشندغة التاريخي، هناك نلامس الذاكرة المتصلة بمن قبلنا نتيجة عمل (مراس والبلدية) وهذه حساسية الضوء الشديدة على الجدران في المقاربة العلاجية.

الاختلاف وارد بينهما لصعوبة اتخاذ القرار بين إزالتها تماماً أو تدمير المنشأة لاستعادة بنائها المتضرر بمواد بناء قديمة، وبين التركيز على رتق الموجود منها، أو حتى تركها على حالها كخيار مناسب في بعض الحالات... كل تلك نظريات بين الإقرار والارتياب لتبقى في النهاية علاجاً وفلسفة خاصة، ويعدها المعماريون مدارس فكرية، لهدف ثقافي نبيل، وهو القبض على ذاكرة الأمكنة لأهل دبي، بعد أن تمت إزالة الكثير من المباني القديمة السكنية الراقية للعائلات الثرية والتجار في الخمسينيات في منطقة «الراس» العريقة وما يقابلها في الجانب الثاني من أمام الخور.

الذاكرة نسيج الوطن، بالمقابل الوطن يلملمنا في ذاكرة، وتُقومنا نحو مستقبل آمن.. والآن آن أوان ترميم البيوت العربية النادرة في المناطق القديمة، مثل منطقة الراشدية السكنية ونسيجها التراثي في تلك الأزقة الدافئة، وعدم التفريط بها بتأجيرها لعمال وعبث بعضهم بها، فالإصلاح ليس ارتحالاً مؤقتاً لزمن ماضٍ، بقدر ما هو استيقاظ وتواصل إنساني للذاكرة بين الأموات والأحياء، فلتمر ساعاتنا بيننا، جيل يبني وجيل يعيد البناء، وإن اختلفنا في فكرة الترميم كما بين (السيف والشندغة)، فكلاهما موثقان، أما توثيق أحياء الراشدية العتيقة وترميمها فهو بلا شك انبعاث لروحها وإتيان جزء من ماضيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات