استسلم للكتابة لتقود الريح

قضيتُ الأيام السابقة في قراءة روايات الروائية الأمريكية الأفريقية التي رحلت عنا هذا الشهر، توني موريسون، عن عمر يناهز 88 عاماً، والتي على الرغم من طول عمرها، كتبت 11 رواية فقط، لكنها نالت بها جوائز عديدة ومميزة وعالمية منها نوبل، إضافة إلى وسام الحرية الرئاسي، رغماً عن المعاناة والنكران والعنصرية التي اتُّهِمَتْ بها منذ روايتها الأولى «العيون الزرقاء» التي أصدرتها في عمر ناضج وهو 39 عاماً، لتُرمى بالقبح وعقدة النقص، مع محاولات جادة لحظر رواياتها في مكتبات المدارس، وهي التي حاولت بلغتها الشعرية معالجة العواقب الوخيمة للعنصرية التي كانت قائمة في مجتمعها، خاصة على الأطفال من الأصول الأفريقية لفظاً وتعنيفاً.

المؤلفة لم تفقد صبرها ولم تيأس ولم تعترض، بل استسلمت للكتابة لسنوات أخرى، وتنشر روايتها الثانية «صولا»، متعاطفة بعين الأدب في سردها مع المرأة الأمريكية الأفريقية في معنى أن تكون فقط للمتعة والعمل في الأرض، ومن خلال البطلة «صولا» في أحداث موجعة لأفراد عائلتها، وتمضي توني موريسون ولا تصغي سوى للكتابة، مستسلمة سنوات أخرى تؤلف رواية «نشيد سليمان» التي تتشابك فيها الثقافة الأمريكية الأصلية مع الثقافة الأفريقية الأمريكية، وتناقش أصول الديانة الإسلامية لبعضهم أثناء استيرادهم التجاري من أفريقيا.

رواية ذات قيمة سياسية عميقة في الأدب مع تحليلات واضحة لهذا الكائن البشري كيف يُطوى إلى عالم آخر وفقه جديد كل حين.

أصبح سردها ناهضاً لضمير من يقرأها دون أن تسلط لسانها إعلامياً، بل مستسلمة من رواية إلى رواية تناقش رمزية العرق والمرأة، وتكتب ثلاثيتها التاريخية خلال عشر سنوات في استسلام قوي، بدءاً من «محبوبة» التي فازت بجائزة «بولتيرز» للروايات، بعد تصنيفها أفضل عمل أدبي خيالي أمريكي، ثم روايتها «الجاز» فتنال بعدها نوبل على مجمل ما كتبته وهي سبع روايات فقط، ولم تستسلم لهذا التقدير العالمي، لتكمل الثلاثية بروايتها «الفردوس»، وهكذا تقود الكاتبة الريح بعد أن خلقت لغتها الخاصة والعميقة والمذهلة وبمعرفة أخلاقية تمتعتْ بها من أجل أن تبعد التمييز ضد الأقليات بشجاعة أدبية، ومن أجل هدف وحيد هو إنهاء التعصب والتفرقة للجنس والأصل بدلاً من اللغة الحاجبة للحقيقة، أو اللغة الفخرية أو اللغة ذات التعبيرات المحنطة، وحتى الإيمائية التي نمضي بها جميعنا.

باتت موريسون ثروة وطنية بعد التأثير الهائل الذي أحدثته في كتابتها عن تاريخ العنصرية، متجهة بالقارئ نحو رؤية عالمية شديدة الوضوح لتحرير الذات، لأنها باختصار عرفت معنى الحياة التي عكست روحها في وقت مضى، لذا استسلمت للكتابة ببراعة، ووظفت طاقتها للناس كي يكونوا أحراراً حتى في وظائفهم، مشتهرة بقولها: «إذا استسلمت للريح ممكن أن تقودها».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات