فراشات «نابوكوف»

حياة الروائي ملؤها الإتقان، إتقان يُطوّق النثر ويكحل السطر، وهذا ينطبق على الروائي والأديب الأميركي ذي الأصل الروسي فلاديمير نابوكوف، الذي قام بتصميم نثره بنفسه، ولم يقلّد من كان قبله، متقناً كل أعماله الروائية والمسرحية، وهذا بالطبع لم يأت إلا بعد اجتهاد وثلاث لغات كتب بها، فكان شاعراً بينه وبين شعر الوصف سنوات ضوئية، ومترجماً بديعاً، والأبرز والأهم من كل ما ذكرت كان عالماً في الحيوان، وعالماً في الأسماك، وصياداً للفراشات، ويهتم بعلم الحشرات والعث، وغرامه بهذا العالم الصغير الدقيق في الريف كان غراماً نادراً.

بتصوري أن «نابوكوف» قَرّبَ التفاصيل في أدبه من خلال حفره المعرفي أسفل المجهر، بعد أن نَشَبَ في كنف هذا السحر وهو يرى دقة تفاصيل التفاصيل لجسد الفراشة وجزئياتها، بالمقابل يقرأ كتباً عن أجناسها وأصولها المختلفة، بعد أن كان يجلبها من بيرو وسفوح جبال الشرق وغيرها، وبالتالي يتفهم سلوك الفراشة من حيث اختلاف النسب والعائلات، مفككاً رموز هذه القبائل الملونة بصفاتها وعمرها وهو يجمع نماذجها. بعد كل هذا لا بد أن تغمره أجمل مكافأة وهو الإلهام الأدبي، ويغرق في كتابة لا زمن له رغم الانضباط، ويخلق في خياله أدباً جديداً بفعل تفاصيل بات يعرف حساسيتها ويقربها سرداً.

«نابوكوف» وزوجته ورفيقة دربه ومدققته وعينه الناقدة «فييرا» اتخذا معاً رحلة جادة وبالغة الصعوبة منذ رحيلهما من روسيا إلى أوروبا فالولايات المتحدة الأمريكية، وفي غرفة صغيرة وبسيطة اشتغلا معاً حتى أصبح أستاذاً في جامعة «كورنيل» العريقة عام 1945م بعد حصوله على الجنسية الأمريكية، ولكن وعلى امتداد اهتمامه بالتفاصيل أسفل المجهر الخاص بالفراشات، ولأنه كان خبيراً تصنيفياً في علم الحشرات وأنواعها، فمن الطبيعي أن يفاجأ طلابه وهو يحاضرهم مدى كرهه للأفكار العامة في الروايات المكتوبة والمشهورة منها لأسماء لامعة في دنيا الأدب، حيث لا يوجد اهتمام كبير بالتفاصيل للأسلوب ولا الهيكل.

من يهتم بالتفاصيل المتعبة يصبح جاداً ويشعر بحقيقة الحياة، لذا كان «نابوكوف» جاداً مع طلابه ولم يؤاخهم بل كان يعامل كل طالب كالرقم أي برقم مقعده، وبحضور زوجته وهي عينه الثاقبة التي كان يستضيفها في المحاضرة معرفاً بها أنها مساعدته في كل ما يفعل، بالمقابل وكونه روائياً جاداً يقضي وقتاً طويلاً مع الفراشات والحشرات التي اصطاد العديد منها ودخلت عوالمه التفصيلية أثناء التأليف والبناء الروائي وبأفضل شكل.

وإلا لما كتب روائعه من «لوليتا»، و«الهدية» و«آدا» وعشرات الأعمال إلى أهم سيرة ذاتية كتبها «نابوكوف» كونه روائياً. بعد قراءة طويلة وخاصة لأدبه، وبعد رؤيتي مجموعته الكبيرة المصورة من الفراشات في متحف علم الحيوان بجامعة «هارفارد»، وتماهيه في تقنية طيرانها، بتصوري أن عالم الحشرات دخل في صلب سرده الروائي بملاحظاته التفصيلية والرمزية تحديداً، أما لغته فكانت أشبه بلغة مرحة وخفيفة كالفراشات.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات